الاتّصال في زمن الأزمات: الكلمة كأداة للبقاء
الدكتور جورج نجم
في عالمنا اليوم، لم تعد الأزمة استثناءً، بل أصبحت مناخاً دائماً. بين الأوبئة، والانهيارات المالية، والحروب، والتحوّلات التكنولوجية المفاجئة، لم تعد المؤسسات تتساءل عمّا إذا كانت الأزمة ستقع، بل متى ستقع، وكيف ستتعامل معها. وفي هذا الفضاء المليء بالاضطراب، تبرز قاعدة أساسية: الاتصال لم يعد تمريناً للصورة، بل أصبح أداة للبقاء. إن ما يُعرف بـ"الاتصال في زمن الأزمات" لا يقتصر على "الكلام في العاصفة"، بل هو فن تنظيم الكلمة كفعلٍ استراتيجي، يهدف إلى الحفاظ على الثقة، والتماسك، وشرعية المؤسسة أو العلامة.
أزمات قديمة ودروس لا تزال حيّة
على عكس الاعتقاد السائد، إن مفهوم الأزمات ليس اختراعاً رقمياً. فقبل زمن وسائل التواصل الاجتماعي بسنوات طويلة، واجهت شركات كبرى عواصف إعلامية وأخلاقية لا تزال أصداؤها تتردّد حتى اليوم. وفي التاريخ الحديث شواهد كثيرة تُذكّر بأن الذاكرة الجماعية لا تنسى:
- 1990 – بيرييه (Perrier): اكتُشفت آثار مادة البنزين في زجاجات المياه الغازية للعلامة، فأعلنت الشركة المصنعة سحب 160 مليون زجاجة من الأسواق العالمية، واستعادت ثقة الجمهور بفضل الشفافية والانضباط العلمي.
- 1999 – توتال (Total/Erika): غرقت ناقلة نفط عملاقة للشركة قبالة السواحل الفرنسية، ما تسبّب بكارثة بيئية كبرى. تأخر الشركة في التواصل جعلها تواجه أزمة سمعة طويلة الأمد.
- 2001 – نايك (Nike): كشف تقرير صحفي خاص عن تشغيل لأطفال في مصانع آسيوية، فبادرت الشركة الأميركية إلى إعادة هيكلة سلاسل إنتاجها واعتماد خطاب أخلاقي جديد.
- 2010 – بي بي (BP/Deepwater Horizon): انفجرت منصة نفطية في خليج المكسيك، ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً وتسرب ملايين الليترات من النفط، وسط تواصل إداري بارد وتقني أثار انتقادات واسعة في الولايات المتحدة والعالم.
- 2014 – بنك بي إن بي باريبا (BNP Paribas): غُرِّم بمليارات الدولارات من قبل السلطات الأميركية بسبب تعاملات مع دول خاضعة للعقوبات، فردّ المصرف باستراتيجية قائمة على الشفافية وإعادة الهيكلة.
- 2015 – فولكسفاغن (Volkswagen): فضيحة "ديزل غيت" حين كُشف أن الشركة استخدمت برنامجاً إلكترونياً ذكياً للتلاعب في اختبارات الانبعاثات، واستغرقت سنوات طويلة لتستعيد مصداقيتها في أسواق الولايات المتحدة والعالم.
إن هذه الأمثلة تُثبت أن أدوات النشر قد تغيّرت، ولكن جوهر الأزمة لم يتغيّر قط: فقدان مفاجئ للثقة، يتضخّم عبر عدسة الرأي العام. وما تغيّر فعلاً هو السرعة: فالتسارع الرقمي حوّل كل دقيقة صمت إلى مخاطرة استراتيجية كبيرة.
من الحدث المفاجئ إلى النظام المركّب
تُعرَّف الأزمة أكاديميّاً بأنها انقطاع مفاجئ في توازن النظام. لكن هذا التعريف بات غير كامل اليوم. فالأزمة الحديثة أصبحت نظاماً من التوتّرات المستمرة، تتفاعل فيه ثلاثة عناصر رئيسية: اولاً، سرعة الانتشار (التي يضاعفها العالم الرقمي)، وثانياً صعوبة اتخاذ القرار (الذي تعزّزه العولمة)، وثالثاً هشاشة الجمهور العاطفية (التي تضخّمها وسائل التواصل).
في هذا الإطار، أظهر الباحث ويليام تيموثي كومبس (Coombs, 2015) في نظريته المعروفة بـ Situational Crisis Communication Theory أن سرعة الخطاب وتماسكه في الساعات الأولى يحددان 80% من فرص استعادة السمعة لاحقاً. بمعنى آخر: ما يُقال في الساعة الأولى أهم من كل ما يمكن أن يُفعل في الأشهر الستة التالية.
من ردّ الفعل إلى بناء المرونة
يرى ألتمر وسيلنو وسيغر (Ulmer, Sellnow & Seeger, 2018) أن الاتصال الفعّال في الأزمات يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: أولاً، تحمّل المسؤولية ومواجهة الخطأ دون مواربة، وثانياً الاستباق وبدء التواصل فوراً قبل أن تُطرح الأسئلة، وثالثاً الاستمرارية وعدم ترك فراغٍ سردي يسمح بانتشار التأويلات. إضافة، أكّد بندي وشركاه (Bundy et al., 2017) أن المؤسسات التي تبادر مبكراً وتبني خطابها على المسؤولية، تحوّل الأزمة إلى فرصة لبناء السمعة. هنا يصبح الاتصال أداة للصمود المؤسسي وليس مجرّد ردّ دفاعي.
حين تتحوّل الشفافية إلى ميزة تنافسية
لطالما تخوّف القادة من الشفافية، اعتقاداً منهم أن الاعتراف بالأزمة يعني تغذية حالة الذعر. غير أن دراسات هيث وأوهاير (Heath & O’Hair, 2020) أثبتت العكس تماماً: الشفافية تقلّل التضليل وتعمّق الارتباط العاطفي بين الجمهور والمؤسسة. وقد بيّن تحليل ستريتمايتر وليشنر (Strittmatter & Lechner, 2019) لفضيحة فولكسفاغن المذكورة أعلاه أن الشركات التي واجهت أخطاءها علناً استعادت صورتها بسرعة تفوق 30% مقارنةً بتلك التي حاولت الإنكار أو التخفيف من حجم الخطأ. إذاً، لم تعد الشفافية خطراً، بل أصلاً استراتيجياً. فهي تولّد رأس مال رمزيّاً من المصداقية، يصبح في زمن الأزمات أغلى من الأرباح نفسها.
نحو ثقافة الكلام الاستراتيجي
إنّ تبنّي استراتيجية اتصال في الأزمات لا يعني "الكلام عند وقوع الكارثة"، بل تأسيس ثقافة تواصل دائمة تجعل من الكلمة عنصراً من عناصر القيادة الحكيمة. ثقافة يفهم فيها كل قائد أو إداريّ أن الصمت خطر كبير، وأن الكلمة المنضبطة قوّة استراتيجية. فالمؤسسات ذات القيادة الرشيدة والناضجة لم تعد تكتفي بدليلٍ للأزمات، بل تبني حالة استنفار ووعيٍ دائمين، تُحضَّر فيها السيناريوات، وتُختار الكلمات، وتُوزن النبرات مسبقاً. وكما يشير فراندسن ويوهانسن (Frandsen & Johansen, 2020)، لم يعد الاتصال في الأزمات أداةً لإدارة الموقف، بل أصبح قدرةً تنظيمية متكاملة تميّز بين المؤسسات التي تعبر العواصف وتلك التي تغرق فيها.
باختصار شديد، ان الاتصال في الأزمات ليس ردّ فعل، بل هو انضباط وركيزة للبقا. وفي عالمٍ تتبخّر فيه الثقة بسرعة تغريدة، يغدو هذا الانضباط أسمى أشكال الحوكمة.
* باحث في التّسويق والتّواصل؛ أستاذ محاضر في جامعتي EM Normandie وEM Strasbourg في فرنسا، وفي جامعة الرّوح القدس في لبنان
نبض