اقتصاد لبنان السياسي: تفكيك البنية لا توصيف الانهيار

منبر 27-01-2026 | 13:59

اقتصاد لبنان السياسي: تفكيك البنية لا توصيف الانهيار

الكتاب الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" لا ينشغل بسرد وقائع الأزمة بقدر ما ينشغل بتفكيك البنية التي جعلت الاقتصاد اللبناني عاجزاً...
اقتصاد لبنان السياسي: تفكيك البنية لا توصيف الانهيار
علم لبنان (أرشيفية).
Smaller Bigger

*جمال إبراهيم حيدر 
رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الاميركية

لا يأتي كتاب الدكتور نجيب عيسى "اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية: جدلية الخارج والطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج" ليضيف توصيف جديد لانهيار وقع وبات معروفاً بتفاصيله، بل ليضع هذا الانهيار في سياقه الصحيح وليعيد تفكيك الشروط البنيوية التي جعلته ممكناً، بل مرجّحاً. فالكتاب لا يتعامل مع الأزمة اللبنانية بوصفها حادثاً عرضياً أو خللاً تقنياً أو طارئاً في السياسات أو سوء إدارة ظرفياً، بل كنتيجة منطقية لمسار تاريخي.

 

الكتاب الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" لا ينشغل بسرد وقائع الأزمة بقدر ما ينشغل بتفكيك البنية التي جعلت الاقتصاد اللبناني عاجزاً، منذ نشأته، عن إنتاج تنمية حقيقية أو سيادة اقتصادية.

من الصفحات الأولى، يضع عيسى الاقتصاد اللبناني في موقعه الصحيح: اقتصاد سياسي تابع، لا يمكن فهمه بمعزل عن توازنات السلطة الداخلية والوظيفة الإقليمية والدولية التي نيطت بلبنان منذ نشأته. هنا، لا تُقدَّم الطائفية بوصفها خللا ثقافيا أو اجتماعيا، بل باعتبارها نظام حكم كاملا، يحدّد آليات توزيع الموارد، ويضبط حدود الدولة، ويمنع تشكّل سياسة اقتصادية وطنية مستقلة. يرفض عيسى المقاربة السائدة التي تفصل بين الاقتصاد والسياسة، أو التي تعالج الطائفية كعامل ثقافي أو اجتماعي منفصل عن الخيارات الاقتصادية. على العكس، ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد سياسي بامتياز، تشكّل عند تقاطع ثلاث قوى: الخارج، والطائفية السياسية، ونمط اقتصادي غير منتج. هذه القوى لا تتجاور فحسب، بل تتغذى بعضها من بعض، وتعيد إنتاج النظام نفسه كلما اهتز.

إحدى نقاط القوة الأساسية في الكتاب هي في إعادة وضع "الخارج" في موقعه التحليلي. يرفض السردية الشائعة التي تختزل التدخل الخارجي بوصفه عاملاً طارئاً أو استثنائياً أو شماعة تُعلّق عليها النخب المحلية فشلها. على العكس، يُظهر كيف كان الخارج عنصراً تأسيسياً في النموذج الاقتصادي اللبناني: من دور لبنان المالي والتجاري في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلى إعادة إنتاج هذا الدور بصيغة ريعية - مالية بعد الحرب الأهلية. منذ الاستقلال، نيط بلبنان دور اقتصادي محدّد في محيطه الإقليمي والدولي: وسيط مالي وتجاري وخدماتي، لا دولة منتجة. في الحالتين، لم يكن الاقتصاد موجهاً لتطوير قاعدة إنتاجية محلية، بل لخدمة تدفقات الرساميل والمصالح الخارجية، عبر تحالف داخلي طائفي - مالي. بهذا المعنى، لا يرى الكاتب في "الاقتصاد الريعي" انحرافاً عن مسار طبيعي، بل المسار نفسه. فالقطاع المصرفي، والعقارات، والخدمات، لم تكن بدائل فُرضت بسبب ضعف الصناعة والزراعة، بل أدوات مقصودة لإعادة إنتاج السلطة السياسية والطائفية، وربطها بمصادر تمويل خارجية. هذا الدور، الذي غالباً ما يُقدَّم في الأدبيات الليبرالية كـ"ميزة نسبية"، يتحوّل في تحليل عيسى إلى قيد بنيوي. فالاقتصاد الذي يُبنى لخدمة الخارج لا يمكنه أن يطوّر قاعدة إنتاجية محلية، ولا أن يراكم رأس مال وطني، ولا أن يؤسّس لسياسات صناعية أو زراعية مستقلة. ومع كل أزمة إقليمية أو تحوّل في شروط النظام الدولي، كان هذا الاقتصاد يُترك مكشوفاً، من دون أدوات حماية أو بدائل داخلية.

يمتاز الكتاب بكونه لا يكتفي بإدانة الطائفية خطابياً، بل يحلّلها بوصفها آلية اقتصادية. فالطائفية تنظّم توزيع الموارد، وتحدّد أولويات الإنفاق، وتضبط علاقة الدولة بالمجتمع. وهي، بهذا المعنى، لا تعوق التنمية عرضاً، بل تمنعها بنيويا. فالدولة الطائفية لا تخطّط، لأنها لا تملك أفقاً وطنياً موحّداً، ولا تستثمر، لأنها محكومة بمنطق الزبائنية وتقاسم الريوع، ولا تحمي القطاعات المنتجة، لأنها تخضع لتحالفات مالية وتجارية استفادت تاريخياً من اقتصاد الخدمات والريع. هكذا، تتحوّل الدولة من أداة تنمية إلى وسيط توزيع، وتصبح الطوائف بديلا من السوق الوطنية والمؤسسات العامة. في هذا السياق، لا يعود الفساد ظاهرة استثنائية، بل نتيجة طبيعية. ولا يعود ضعف الدولة دليلاً على فشل إداري، بل يكون انعكاساً لوظيفتها الفعلية: دولة ضعيفة بما يكفي لعدم تهديد مصالح النخب، وقوية بما يكفي لضبط المجتمع ومنع أي مسار تغييري جذري. هذا التحليل يكتسب أهميته لكونه يربط بين الطائفية وإعاقة التنمية، لا فقط عبر الفساد أو المحاصصة، بل عبر تفكيك أي إمكان لتراكم إنتاجي طويل الأمد. فالدولة الطائفية، كما يخلص الكتاب، لا تستطيع أن تكون دولة تخطيط أو استثمار أو حماية للقطاعات المنتجة، لأنها ببنيتها تقوم على تقاسم الريوع لا على خلقها.

يرفض عيسى السردية التي ترى في الاقتصاد غير المنتج نتيجة حتمية لضعف الموارد أو لصغر السوق اللبنانية. فالاقتصاد الريعي، في تحليله، كان خياراً سياسياً واعياً، لا مخرجاً اضطرارياً. تم تهميش الصناعة والزراعة لا بسبب عدم جدواهما، بل لأنهما تتطلبان دولة تخطيط وحماية واستثمار طويل الأمد، أي دولة لا يتيحها النظام الطائفي ولا الوظيفة الخارجية للبنان. من هنا، يكتسب نقد الكتاب للسياسات الليبرالية أهميته. فالليبرالية في لبنان لم تكن مشروع سوق حر تنافسية، بل غطاءً لتحرير غير متكافئ، يخدم رأس المال المالي والعقاري، ويعمّق الفوارق الاجتماعية والمناطقية. وما يُسمّى "نموذج ما بعد الحرب" ليس قطيعة مع الماضي، بل إعادة إنتاجه بصيغة أكثر هشاشة، قائمة على الدين والتدفقات المالية والريوع.

يُحسب للكتاب أنه يتجنّب اللغة الشعبوية التي سادت كثيراً من الأدبيات بعد ٢٠١٩. كما أنّه يقدّم سردية بديلة من تلك التي تحصر الأزمة في "الفساد" أو "سوء الحوكمة"، من دون إنكار دورهما، بل بإعادتهما إلى سياقهما البنيوي. لكنه في الوقت نفسه، يحمل موقفاً واضحاً: لا إمكان لإصلاح اقتصادي من دون مسّ أسس النظام السياسي - الطائفي، ولا لتنمية من دون إعادة تعريف علاقة لبنان بالخارج. غير أن الكتاب يتوقّف عند هذا الحد. فهو يقدّم تشخيصاً عميقاً ومتماسكاً، لكنه يتحفّظ في الانتقال من التحليل إلى البرنامج. والقارئ الذي يبحث عن سياسات تفصيلية أو سيناريوات انتقال واضحة سيجد أن الكاتب يفضّل تفكيك النموذج القائم على رسم نموذج بديل مكتمل. صحيح أن هذا الخيار يعكس انحيازاً معرفياً مشروعاً، لكنه يترك فجوة بين تشخيص العطب واقتراح أدوات الخروج منه. وهذا قد يُقرأ كنقطة ضعف، لكنه قد يُقرأ أيضاً كخيار معرفي: فقبل البحث في الحلول، يجب الاتفاق على طبيعة المشكلة.

في المحصلة، يقدّم نجيب عيسى عملاً فكرياً رصيناً ولا يقدّم كتاباً مريحاً. فهو يرفض اختزال الأزمة في أشخاص أو حكومات أو سياسات محدّدة. إنه كتاب ضد "الإصلاحات السطحية"، وضد الوهم القائل إن بعض التعديلات التقنية أو القروض الخارجية يمكن أن تعيد إنتاج النمو. وهو يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون: في النموذج نفسه. وهذا ما يجعل الكتاب إضافة نوعية إلى مكتبة الاقتصاد السياسي اللبناني، ومرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم لماذا فشلت كل محاولات "الإصلاح" السابقة، ولماذا لا يمكن أي خطة إنقاذ أن تنجح من دون مسّ العلاقة بين الخارج، والطائفية، والاقتصاد غير المنتج؟

أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في ما يقوله، بل في ما يفرضه على القارئ: إعادة التفكير في المسلّمات، وفي معنى الدولة، وفي مفهوم التنمية، وفي حدود الممكن داخل نظام طائفي تابع. إنه كتاب لا يَعِد بالإنقاذ، لكنه يقدّم شرطه الأول: فهم لماذا لا ينهض اقتصاد لبنان، ولماذا لا يمكنه أن ينهض من دون كسر الحلقة التي تجمع الخارج والطائفية والاقتصاد غير المنتج؟

 

بهذا المعنى، يشكّل الكتاب إضافة أساسية إلى أدبيات الاقتصاد السياسي في لبنان، ومرجعاً لا غنى عنه لكل من يريد مقاربة الأزمة بوصفها أزمة نموذج، لا أزمة إدارة. إنه كتاب لا يَعِد بحلول سريعة، بل يقدّم ما هو أكثر ندرة في النقاش اللبناني: فهم جذري لما جرى، ولماذا جرى، ولماذا يتكرر؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
النهار تتحقق 1/26/2026 3:02:00 PM
حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات، وآلافا عدة من اللايكات ومئات التعليقات، بينها لمستخدمين تساءلوا عن صحتها. ماذا وجدنا؟