المعرفة السجينة... مع وقف التنفيذ في الإدارة العامة

منبر 27-01-2026 | 09:30

المعرفة السجينة... مع وقف التنفيذ في الإدارة العامة

في الإدارة العامة، لا تُقاس الإنجازات بالأداء فقط، بل أيضًا بقيمة المعرفة المتداولة داخل المؤسسة وحجمها. فالمعرفة مورد أساسي يشكّل عنصرًا محوريًا في اتخاذ القرار، وتحسين السياسات، وضمان العمل المؤسسي المستدام. 
المعرفة السجينة... مع وقف التنفيذ في الإدارة العامة
ارشيفية
Smaller Bigger

حنين الحسنية - باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات


في الإدارة العامة، لا تُقاس الإنجازات بالأداء فقط، بل أيضًا بقيمة المعرفة المتداولة داخل المؤسسة وحجمها. فالمعرفة مورد أساسي يشكّل عنصرًا محوريًا في اتخاذ القرار، وتحسين السياسات، وضمان العمل المؤسسي المستدام. وهي، في هذا السياق، ليست تفصيلًا تقنيًا ثانويًا. ومع ذلك، تسود في العديد من الإدارات العامة ظاهرة صامتة لكنها مؤثّرة: إخفاء المعرفة.
لفهم هذا السلوك، يمكن الاستعانة بما يُعرف في علم السلوك التنظيمي بـ "معضلة السجين" أو(Prisoner’s Dilemma) . تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة: يجد الفرد نفسه في موقف يتطلّب تعاونًا متبادلًا، لكنه يختار حماية موقعه الشخصي، اعتقادًا منه أنّ هذا الخيار يؤمّن له أكبر قدر من الأمان، حتى لو كان يدرك أنّ التعاون هو الخيار الأفضل للجميع. النتيجة النهائية، في معظم الأحيان، تكون خسارة جماعية.
داخل بعض البيئات الإدارية، تتحوّل المعرفة إلى مصدر قوة فردية بدل أن تكون أداة مشاركة. فيُفضّل بعض الموظفين أو المسؤولين الاحتفاظ بالمعلومة، أو تأخير مشاركتها، أو تمريرها بشكل مجزّأ، اعتقادًا أن ذلك يعزّز صورتهم المهنية أو يحفظ تميّزهم داخل المؤسسة.
تُظهر بعض الدراسات في مجال الإدارة أنّ هذا السلوك قد يرتبط بسمات أو ميول شخصية معيّنة، من بينها الميل إلى السيطرة، أو تضخيم الذات، أو ضعف التعاطف، أو التعامل مع الآخرين من منطلق نفعي. لا تُطرح هذه السمات هنا بوصفها اتهامًا أو تشخيصًا، بل كأنماط سلوكية معروفة في علم الإدارة والسلوك التنظيمي، تختلف حدّتها من مؤسسة إلى أخرى.

ولا يمكن فصل هذه الأنماط عن البيئة الإدارية التي تظهر فيها. ففي بيئات غير سليمة، حيث تضعف الثقة، وتغيب المحاسبة، ويُكرَّس التفضيل الفردي على حساب المصلحة العامة، يصبح إخفاء المعرفة سلوكًا قابلًا للتفسير من منظور فردي، وإن كان يُعدّ أحد الأسباب الأساسية لإضعاف العمل المؤسسي ذي المنفعة العامة.
غالبًا ما لا تكون نتائج هذا السلوك فورية، بل تتراكم على شكل قرارات ناقصة، وأخطاء متكرّرة، وتضارب في العمل، وإنجازات متعثّرة. ومع مرور الوقت، تفقد المؤسسة ذاكرتها التنظيمية، وتتآكل قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات، لأن المعرفة تبقى محصورة بالأفراد لا بالنظام.
في الإدارة العامة تحديدًا، تكون كلفة هذا السلوك أعلى. فالمعرفة هنا ليست ملكًا فرديًا، بل جزء من المصلحة العامة. وإخفاؤها أو تشويهها ينعكس مباشرة على جودة العمل، وعلى مستوى ثقة المواطن بالمؤسسات العامة.
المفارقة أنّ الفرد الذي يُخفي المعرفة عمدًا لحماية نفسه، يساهم من دون قصد في إضعاف النظام الذي يمنحه هذا الشعور بالأمان. تمامًا كما في معضلة السجين: القرار الذي يبدو عقلانيًا على المستوى الفردي، يقود في النهاية إلى نتيجة أسوأ على المستوى الجماعي.
معالجة هذه الظاهرة لا تكون عبر توجيه الاتهامات أو الإفراط في الرقابة، بل من خلال بناء بيئة عمل تشجّع المشاركة، وتفتح مساحة للنقاش البنّاء، التعاون وتكافؤ الفرص. كما تتطلّب قيادة تمتلك وعيًا سلوكيًا، قادرة على التمييز بين الكفاءة الحقيقية والتحكّم بالمعلومة بوصفه شكلًا من أشكال النفوذ.
في المحصّلة، لا تُبنى الإدارة الحديثة على ما يُخفى، بل على ما يُشارَك. فالمعرفة، حين تبقى حبيسة الأفراد، تُضعف الدولة. أمّا حين تُدار كقيمة مؤسسية مشتركة، فتتحوّل إلى أحد أهم موارد العمل العام.
    فأحيانًا، ما يبدو خيارًا ذكيًا على المستوى الفردي، يكون مدمّرًا على المستوى الجماعي.                                                                                

                                                                                                                         
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
النهار تتحقق 1/26/2026 3:02:00 PM
حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات، وآلافا عدة من اللايكات ومئات التعليقات، بينها لمستخدمين تساءلوا عن صحتها. ماذا وجدنا؟