عمّ حدّثتني سلام… قبل أن ترحل

منبر 26-01-2026 | 17:02

عمّ حدّثتني سلام… قبل أن ترحل

بين الحديث والضحكة والتنهّد، كانت الكلمة المحط: "الحمد لله على كلّ شي. منضل نقول الحمد لله".
عمّ حدّثتني سلام… قبل أن ترحل
الراحلة سلام طرابلسي
Smaller Bigger

غادرتنا سلام طرابلسي، الصديقة والزميلة في "النهار"، بعد شهور وأيام عجاف لم تسلب منها ضحكتها، فنخجل من أنفسنا حين نتذمّر أحياناً من روتين الحياة اليومي، بينما كانت سلام تشتث الضحكة الحلوة من بين أروقة العيادات والمستشفيات، ومن بين "عذاب القلب" في بلدنا الذي يعانيه مرضى السرطان لتأمين الدواء والعلاج.

أتصفح محادثتي مع سلام وأعود إلى البداية: عمل وروابط وأخبار، إلى أن وصلت إلى مرحلة الفحوصات والعلاج والدعوات المستمرة بالشفاء، والإيمان الذي لم يفارق سلام بأن المعجزات تحدث.

عمّ حدّثتني سلام؟
لم تُرزق سلام بأطفال، لكنني أتذكر مرة اهتمامها بابنة أختها التي تخرّجت من اختصاص الترجمة، طالبة نصيحتي عن التوجّه الذي يجب أن تسلكه، موصفة إياها، وشخصيتها، ومدركة لتفاصيلها وللمجال الذي قد يستهويها. لطالما كانت سلام أماً.

انتقل مرض السرطان من المبيض إلى العظم، وهو، بحسب ما حدثتني سلام، "حالة نادرة… لا شفاء منه، ولكن العلاج يكمن في الحد من انتشاره ليتعايش معه المريض".

عمّ حدّثتني سلام؟
أتذكر أنني شاركت في ذكرى انفجار مرفأ بيروت مقطعاً مصوّراً لمجموعة من أمهات الضحايا، مرفقاً بأغنية "ابني حلو ومليح" التي صدرت لمواساة والدة حمد مدحت العطار، سرعان ما علقت سلام قائلة: "حرقتلي قلبي من بين الكل… ما بعرف ليه. بحس حالي هلأ عم بسمعها وشوفها، وهي عارفة بس ما بدها تصدق إنو ابنها مات… ابني حلو… بتحرقلي قلبي".
قلت لكم، سلام لطالما كانت أماً.

عمّ حدّثتني سلام؟
بين الحديث والضحكة والتنهد، كانت الكلمة المحط: "الحمد لله على كل شي. منضل نقول الحمد لله".

صادفتها في شارع مار الياس، وقد انتبهت هي إليّ قبل أن أنتبه أنا. كانت قد تحسنت، وتنتظر أن تجري فحوصات لتتأكد من أن كل شيء نظيف. سرنا معاً إلى أن أوصلتها إلى منزلها، واتفقنا حينها على أن أمر مرة أخرى لنحتسي القهوة معاً. ولكن اللقاء لم يحدث، فحين ذهبت إليها كانت منهمكة بالفحوصات الطبية، وأمامها ساعة قبل أن تعود من العيادة، وردّت: "هالحظ!"، ولكن حظي أنا كان قليلاً، وليس أنت يا سلام.

صعب أن يغادرك الشخص وأنت قد اشتقت إليه قبل أن يرحل… وددت لو رأيتها قبل أن ترحل، ولكن وضعها الصحي لم يسمح. رحلت، وخزان الاشتياق لها مليء أساساً.

عمّ حدّثتني سلام؟
كانت تزعجها أحياناً حقيقة أنها، بالرغم من مواظبتها على العمل، لم تعد تعمل كما اعتادت سابقاً. ومع ذلك، أكدت لي أنها رغم كل شيء تعمل "فوق طاقتي وقدرتي بتحمل أوقات"، لتظهر عزيمتها في مواجهة المرض.

عمّ حدّثتني سلام؟
حدثتني عن والدتها، عن افتقادها لها بسبب مرضها ومكوثها في الفراش: "وأنا أبكي انتبهت لنفسي أنني أقول يا أمي يا أمي… انتبهت أنني أفتقدها". ثم أنهينا الحديث بالقول: "بلا دراما".

عمّ حدّثتني سلام؟
في المحادثة الأخيرة خلال الأيام الأخيرة في المستشفى، ولدى اطمئناني عليها، كانت أنفاسها متقطعة، ومع ذلك اختارت أن ترسل لي مقطعاً صوتياً لتطمئن على حالنا: "انتو مناح؟". نحن نفتقدك ونشتاق إليك، ولكن، كما تقولين دائماً: "الحمد لله على كل شي. منضل نقول الحمد لله".

رسالتي الأخيرة لك كانت قلباً، ورسالتك الأخيرة كانت طفلة صغيرة تحمل قلباً كبيراً، مثل قلبك الكبير، مثل روحك الطفولية المهضومة.

أرادت أختك أن تنظم لك مولداً حين تشفين وأن تدعونا جميعاً للمجيء، ويعلم الله كم وددنا أن يأتي مثل هذا اليوم. ولكن في عليائه الآن أنت، ومعك ملائكة وأفراح لا ألم ولا أطبّاء.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

مجتمع 1/25/2026 5:00:00 PM
مرحباً من "النهار"... إليكم خمسة أخبار بارزة حتى الساعة الخامسة بتوقيت بيروت
المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
لبنان 1/24/2026 6:52:00 PM
لا تزال ابنته اليسار، وهي ممرضة في المستشفى الحكومي، مفقودة حتى الساعة.