من ذاكرة الجسد إلى جسد الذاكرة: كيف وجدت نفسي في الكُتب
أحمد ضامن
أذكر جيّدًا أن علاقتي بالأدب لم تبدأ كقرار واعٍ، بل كميلٍ داخلي يشبه الانجذاب الصامت. كانت بداياتي خلال مرحلة الثانوي، حين اخترت شعبة الآداب بدافع ولعي باللغات، وبالفلسفة التي كانت تفتح رأسي على أسئلة لم أكن أملك لها إجابات، لكنها كانت تُشعرني أنني حيّ.
هناك، في قاعات الثانوية، بدأت أقترب من الشعر أكثر. قرأنا نازك الملائكة، أحمد شوقي، أحمد مطر، أمل دنقل، شعراء المنفى والمهجر، وكل ما كان يترك في النفس رجّة أو ندبة جميلة. ولا زلت إلى اليوم أذكر أن أحب قصيدة إلى قلبي كانت لنازك الملائكة: في جبال الشمال
"عُدْ بنا يا قطار ْ، فالظلام رهيبٌ هنا والسكونُ ثقيلْ
عُدْ بنا فالمدَى شاسعٌ والطريقُ طويل
والليالي قِصارْ
عدْ بنا فالرياحُ تنوحُ وراءَ الظلالْ
وعُواءُ الذئابِ وراءَ الجبالْ…"
قصيدة لم تكن مجرد نص، بل حنينٌ مبكّر لشيء لم أفقده بعد، أو ربما فقدته قبل أن أعرفه.

ظلّ الشعر سيّد المشهد في حياتي القرائية، إلى أن قررت، متأخرًا بعض الشيء، أن أطرق باب النثر. وكانت لي تجربة واحدة ويتيمة مع الرواية في مرحلة المتوسط، رواية بعنوان "ومرّ صيف" للكاتبة السورية كوليت الخوري. وجدتها بالصدفة في مكتبة أبي، وكم للصدفة من يدٍ خفيّة في تشكيل مصائرنا. بطلة الرواية كان اسمها سُهير، وكانت ممرضة وهنا لعبت الصدفة لعبتها الجميلة كاملة: سُهير… صديقتي القديمة، الممرضة أيضًا، كانت تطوقني بين الحقيقة والرواية متخفية في مكتبتنا دون علمي، سهير التي لم تسأم صداقتي منذ 1999 إلى اليوم، وإلى أبد الآبدين. صديقة بمقام الروح من الجسد.
بعدها قررت مصاحبة الروايات بجدّية أكبر. وكأي طالب ثانوي لا يملك ما يكفي لشراء النسخ الورقية، لجأت إلى نسخ الـPDF. قرأت بشراهة حتى ضعف بصري وجفّت عيناي، ولم أكن أندم. قرأت لعديد الكتّاب وبعناوين مختلفة، لكن أول رواية حقيقية دخلتني من باب الدهشة كانت "ذاكرة الجسد" لسيدة الحرف العربي أحلام مستغانمي.
قرأتها… ولا أنسى أبدًا ذلك الشعور، كأنني أكتشف اللغة العربية للمرة الأولى. لغة أعرفها، لكنني لم ألمسها بهذا القرب من قبل. أتممت الثلاثية كاملة، ثم قرأت كل ما استطعت تحميله لها آنذاك، بنهم يشبه الحب الأول.
انتهت مرحلة الثانوي، وبدأت مرحلة الجامعة، وهنا تغيّرت علاقتي بالكتب. بدأت أشتري النسخ الورقية، أحتفظ بها، أدوّن على هوامشها، وأعاملها ككائنات لها ذاكرة. بعض الروايات لم تكن متوفرة في الجزائر، فاضطررت لطلبها من بيروت ومصر، لا لحاجتي إليها فقط، بل لرغبتي في اقتنائها، في تبنّيها كأشياء جميلة علّمتني في أيامي.
تقريبًا كنت قد اشتريت جلّ الروايات التي أحببتها… إلا "ذاكرة الجسد". المفارقة أن باقي الثلاثية كانت قد أهدتني إياها أستاذتي التي غدت زميلتي لاحقًا، وانتصار… أختي التي لا تفقه في الحياة غير جراحة الأسنان، والغدق بالحنان على الجميع.
ومع كثرة ما قرأت من روايات وكتّاب، بدأت بعض تفاصيل "ذاكرة الجسد" تتلاشى من ذاكرتي. فقررت شراءها. أن تقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات... "خير لك من أن تقرأ ثلاث كتب جديدة" يقول عباس محمود العقاد.
الكتابة فعل مقاومة، كما الرسم، كما التصوير. وكما أن الحبّ فعل انهزام، فإننا نقاومه بالقلم، بالريشة، وبآلة التصوير. وكل مبدعٍ يتيم -على حدّ قول نزار - وخالد، وخالد، جميعهم أيتام الذراع وحدها يتيمة الرحم.
من جسور قسنطينة،
إلى شوارع الجزائر العاصمة،
إلى مقاهي باريس وأنهارها…
كان جسر الحياة قائمًا في لوحات، وصور، وروايات، أن تعبر شوارع الخوف مرتديًا العفّة، وأنت تحمل تحتك جسدًا مفخّخًا بالشهوة،غير مبالٍ بشيء سوى لقاء شفاهٍ لا تدري:هل ستعود بعدها حيًّا أم ميتًا؟
هي حياة، وحدها لا تخاف الموت، وهي تشنق أبطالها في حوادث عشقية داخل ممراتها السرّية.
ثلاثية مستغانمي من أجمل ما يُثري رصيدك الثقافي عن العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، وعن كيف كان الموت يلتهم مثقفيها ومبدعيها. إضافة إلى أسلوبٍ آسر، لن تجده إلا عند أحلام. ثلاثية تجعلك تؤمن أن الحب، الرسم، الكتابة، والتصوير… أصحابها جميعًا معطوبو المشاعر، إن لم يكونوا معطوبي الجسد.
ما يميّز كتابات أحلام أنني قرأتها مرّات عديدة، وفي كل مرة أعيد قراءتها، أنبهر، كأنني أكتشفها لأول مرة، كأنها تكتب بعربية ليست كعربيتنا... ولا أجمل من حبٍّ نتعثّر به ونحن في طريقنا إلى شيء آخر.
نبض