الدكتور مصطفى سلامة
تقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً استثنائياً في الاستقرار السياسي وصناعة التأثير، في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم اضطراباً خلال العقد الأخير، حيث تتجلى عبقرية القيادة الإماراتية الحكيمة في قدرتها على إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات الخارجية بمنهجية متوازنة تجمع بين الحكمة الاستراتيجية والدبلوماسية الهادئة.
ومن خلال هذه الرؤية القيادية أعادت تعريف كيفية توظيف القوة وإدارة المخاطروالأزمات، استطاعت الإمارات، في ظل استحواذ الشرق الأوسط على النسبة الأكبر من النزاعات المسلحة خلال السنوات الأخيرة، أن تحافظ على تماسكها الداخلي، وأن تحوّل موقعها في قلب الإقليم المضطرب إلى منصة للاستقرار والتنمية المستدامة.
واجهت الإمارات بيئة إقليمية شديدة التقلب، تصاعدت فيها موجات التطرف، وانهيار بعض الدول الوطنية، وتنامت التدخلات الخارجية، إلى جانب حملات تشويه وضغوط سياسية متواصلة، غير أن هذه التحديات لم تكن سوى انعكاس مباشر لحجم الدور الذي باتت تلعبه الدولة كفاعل إقليمي ودولي مؤثر.
في تلك المرحلة المفصلية، تبنّت القيادة الإماراتية، نهجاً حازماً لحماية الدولة الوطنية ومؤسساتها، لم يكن هذا الحزم خياراً أيديولوجياً أو توجهاً دائماً، بل استجابة عقلانية فرضتها لحظة تاريخية دقيقة، وقد أسهم هذا النهج في تحصين الداخل، وتقوية منظومة الدفاع والقدرة على الصمود، ومنع انتقال الفوضى إلى المجتمع، في وقت كانت فيه دول عديدة تدفع أثمان التردد أو سوء التقدير.
و ما يميز هذا المسار هو أنه لم يتحول إلى حالة صدام مستمرة، فبعد احتواء المخاطر وتغيّر موازين القوى، انتقلت الإمارات إلى مرحلة أكثر نضجاً وواقعية عُرفت بمفهوم "تصفير المشكلات"، هذا التحول لم يكن تراجعاً عن المبادئ أو مجرد تسوية مؤقتة، بل إعادة تموضع استراتيجي مبني على إدراك عميق بأن التنمية المستدامة لا يمكن أن تزدهر في بيئة مشحونة بالصراعات، وأن الاستنزاف السياسي المفتوح يهدر الموارد ويؤخر تحقيق المستقبل المنشود.
واستناداً إلى هذا الفهم، أعادت الإمارات ترتيب أولوياتها الإقليمية، فتوسعت دوائر التعاون وفتحت أبوابها للشراكات الاقتصادية حتى مع دول كانت على خلاف معها سابقاً، بما يعكس قدرة القيادة على الجمع بين الحزم والمرونة، وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الدولة أصبحت واحدة من أبرز مراكز جذب الاستثمار في المنطقة، مستقطبة مئات المليارات من الدولارات، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعاني من هروب رؤوس الأموال وحالة عدم اليقين.
تتجلى هنا حكمة القيادة في القدرة على إدارة التحديات بعقل استراتيجي ودبلوماسية هادئة، مع وضع مصلحة الوطن واستقراره في صدارة الأولويات، والإيمان بأن الأفعال الصامتة أكثر بلاغة من الخطابات العالية، فالسياسة، في هذا السياق، ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل أداة لإدارة المصالح بأقل كلفة وأعلى عائد، ضمن ما يمكن تسميته "الإنسانية الاستراتيجية"، التي ترى أن استقرار الإقليم شرط أساسي لازدهار الإنسان وحماية مستقبله.
إن "تصفير المشكلات" ليس سياسة انكفاء أو حياد سلبي، بل اختيار واعٍ للقوة الهادئة، قوة البناء والعمل الصامت، والرد العملي على أي حملات تشويه عبر نموذج تنموي ناجح، جعل الإمارات دولة يعيش على أرضها أكثر من 200 جنسية في بيئة آمنة ومستقرة، وتعتمد هذه الفلسفة على الصبر الاستراتيجي والرؤية بعيدة المدى، حيث يُنظر إلى الزمن كعامل كاشف للحقائق لا كعدو يجب مواجهته بالتصعيد، فتدار الملفات المعقدة بروية عبر القنوات الدبلوماسية الفاعلة، بما يحفظ الجهد والطاقة، وتكون البوصلة موجهة نحو الأهداف الكبرى، وفي مقدمتها استشراف المستقبل وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
صفوة القول: إن نهج وفلسفة "تصفير المشكلات" يرسّخان نموذجاً متقدّماً للقيادة الإماراتية الحكيمة في إدارة الأزمات بروية واتزان، ويقف خلف هذا المسار رجل يقود بلاده بثبات نحو المجد.
فقد جعل محمد بن زايد من دولة الإمارات منارةً للاستقرار والتوازن في منطقة تشهد تقلبات مستمرة، وهو نهج يمكّن الدولة من أداء دور مؤثر في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتوجيه جهود التنمية نحو نتائج ملموسة، من خلال موازنة دقيقة بين القوة والدبلوماسية، ليغدو مثالاً عملياً في إدارة التحديات بحكمة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتحويل الفرص إلى مسارات واضحة للنمو والازدهار.
نبض