رحلت ليلى بقسماطي الرافعي: من داخل البعث ... لبنان أولاً

منبر 22-01-2026 | 15:01

رحلت ليلى بقسماطي الرافعي: من داخل البعث ... لبنان أولاً

بين روح طرابلس وسعادتها، إلفة لـم تغادرها، رغم جراح الـمدينة وفقدان ما كان الأساس من أمال ليلى بقسماطي الرافعي. 
رحلت ليلى بقسماطي الرافعي: من داخل البعث ... لبنان أولاً
ليلى بقسماطي الرافعي.
Smaller Bigger

رفيق أبي يونس

 



بين روح طرابلس وسعادتها، إلفة لـم تغادرها، رغم جراح الـمدينة وفقدان ما كان الأساس من أمال ليلى بقسماطي الرافعي. 

 

واثقة الـخطى منذ الصبا، والـخيار منذ الشباب. بلغت مرتبة الصفوة من السيدات اللّواتـي جـمعن الريادة فـي الاجتماع والـمعرفة والثقافة وموجبات السياسة والنضال.

 

عرفتها للمرة الأولى عام 1965، فـي منزلـها بشارع الثقافة فـي طرابلس، وهي فـي الأشهر الأولـى من زواجها مع الدكتور عبد الـمجيد الرافعي. كانت تضج بـهاءً وبـهجةً بـما هي عليه، وبـما تأمله فـي الآتي من السنوات من مشروع الزعامة في طرابلس لأحد فرسان القومية العربية فـي الـمدينة، وأبعد.

 

لم يسبقها ولم يمسك عبد الـمجيد الرافعي بيدها إلـى البعث، دخلته من مدخل الـجامعة الأميركية فـي بيروت، ودخله هو من باب النضال الشعبـي فـي مدينة طرابلس التـي تقاسـمت مع دمشق لقب "قلب العروبة النابض".

 

باكراً حضرت الأستاذة ليلى فـي الـمراتب القيادية للبعث وفـي إدارة التنظيم النسائي والطالبـي، وباكراً أيضاً ومنذ ما قبل سلطة حزبـها فـي سوريا والعراق تـحفظت عن التيارات والـمحاور الـمتطرفة. كانت تسكنها حساسية خاصة ضدّ العقائدية التـي تقفل نوافذ الإدراك والـمعرفة والـحداثة، اصطفافـها إلـى جانب ميشال عفلق بصفته صاحب الـحق الأصلي والـحصري فـي التقرير، عندما يدب الـخلاف، وكثيراً ما كان الـخلاف، داخل سوريا، وداخل العراق وبينهما، ولبنان على تقاطع الانشقاقات، ما ظهر منها وما بقي مكتوماً حتـى سبقه التشظي.

 

ليلى بقسماطي الرافعي رحـمها الله، نـحفظ لـها حق توقيع الكثير من الآراء والـمواقف فـي تاريـخها الاجتماعي والسياسي والـحزبـي، وأول ما يـحفظ لـها، أنـها رفضت أن تكون أكثر من ضيفة حيث حزبـها يـحكم، وحيث كان يتحول جزء من الـحزب القومي جالية فـي رهاب الـحكم. ثانـي ما تذكر به ولـم يغادرها أبداً، أنـها كانت صوتاً لبنانياً عالياً فـي حزبـها، لـم ترفع يوماً فـي وعيها وفـي قولـها الـهمّ القومي على حساب الـهم الوطنـي مع كل ما قد يتطلب ذلك من مبادرة وموقف. لـم تغرِها السرديات القومية و"الثورية" الـمعادية للدول الوطنية والكيانات العربية.

 

اعتادت مع زوجها عضو القيادة القومية، وهي عضو فـي الـمؤتـمر القومي أعلى سلطة حزبية، أن تقدم تـهانـي العيد للرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، حيث كانت تقيم فـي بغداد تلافياً لشرور حافظ الأسد وأجهزته فـي لبنان. وجدت لـحظة مؤاتية، -خارج الـمؤتـمرات الـحزبية الصامتة و"الـمدوزنة" - للقول لصدام حسين إن "بين العراق وإيران حرب مواقع أتعبتكم، وبين اللبنانيين وأحياناً مع ضيوفهم حرب شوارع وأحياء، وأحياناً طوابق، ابتلعت سنوات عمرنا. ساعدونا، دُمّر لبنان ولـم تـحرّر فلسطين". كان جوابه قاطعاً: "معكم حق، وعلى العرب واجب إخراج لبنان من هذا النفق". 

 

كان بـهدوئه مشجعاً لـها للبوح بـملاحظات أخرى، ولكن عندما وصل الـحديث عن القسوة الـمفرطة حول قضايا الـحزب - وكان مشهد قاعة الـخلد لا يزال راسخا فـي وجدان البعثيين - استدار كي لا تلحظ موجات الغضب تزدحم على وجهه. تعلمت أن كلفة الأسئلة الـمحرجة أكبر من أن تقاس بالأجوبة الصريـحة والواضحة. لكنها بعد سنوات قالت لطارق عزيز، بعد دخول الكويت: "أخشى ألا نستطيع ضمّ الكويت، بل قد نـخسر العراق".

 

قالت له ذلك دون تردد لأنـها تعرف أنه لا يـخالفها الرأي، بل ربـما طالبها بأن تقول للقيادة رأيها.

 

نقلت ليلى هذه الروايات وغيرها إلـى الـخلّص من الأصدقاء والرفاق لكنها لـم تأذن بتعميمها. حتـى بعد وفاة زوجها الـذي امتلأت دروبه بـما يدعو إلـى الاعتزاز أحياناً، وبالـخيبة أحياناً أخرى، بقيت ليلى صامتة عن أشياء كثيرة، وهي تـجهد لتكمل الـمسيرة فـي لقاء الثلثاء، يـحوط بـها الـحرص والشجاعة معاً، وتدفع عنها كل من يدقق ويسأل بالقول: "بعض الأخبار إذا ما رويت، تسمع الرواية فـي القبور".

 

لقد تـجرأت على نقل هذه الـمقتطفات، لأنـنـي على يقين أن شخصية معنوية من نـمط ليلى بقسماطي الرافعي مصحوبة بتجربة ثـمينة، من حقنا أن نلتقط منها إشارات تساعد فـي الإضاءة على تاريـخنا بـما له وبما عليه.

 

العلامات الدالة