الإنسان الوسطي: حين يصبح اللون الرمادي فضيلة لا ضعفاً

منبر 21-01-2026 | 14:44

الإنسان الوسطي: حين يصبح اللون الرمادي فضيلة لا ضعفاً

يا  أبيض يا أسود لكن مش رمادي؟  أبيض أو أسود، صواب أو خطأ، معنا أو ضدنا، يظهر مفهوم الإنسان الوسطي كحالة إنسانية غالباً ما يُساء فهمها. 
الإنسان الوسطي:  حين يصبح اللون الرمادي فضيلة لا ضعفاً
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

ملاك وجيه شميطلي 


"يا أبيض يا إسود لكن مش رمادي؟"، أبيض أو أسود، صواب أو خطأ، معنا أو ضدنا، يظهر مفهوم الإنسان الوسطي كحالة إنسانية غالباً ما يُساء فهمها. يُنظر إلى الوسط على أنه منطقة رمادية خاطئة، أو موقف متردد، أو حتى شكل من أشكال التلوّن والانتهازية. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير: الوسط ليس ضعفاً، بل قمّة الوعي والاتزان.
الإنسان الوسطي ليس إنساناً بلا موقف، بل هو إنسان معتدل في تفكيره، يرفض التطرف بكل أشكاله. لا ينجرف نحو الإكستريم، ولا يقف في حالة جمود أو إنكار، بل يبحث عن طرق عقلانية لفهم القضايا وحلّ المشكلات. هو شخص يفكّر في النص، لا لأن النص منطقة آمنة، بل لأنه مساحة تتطلب وعياً أعمق وقدرة أعلى على التحليل والتوازن.
الإنسان الوسطي، في تعبيره عن رأيه، لا يلجأ إلى الحدّة أو الانفعال، بل يقدّم موقفه بطريقة وسطية، هدفها الوصول إلى حلّ لا إلى انتصار. هو يؤمن بأن القضايا الإنسانية لا تُحلّ بالصدام ولا بالمبالغة العاطفية، بل بالفهم والوساطة وجمع التجارب والأفكار.

 

الوسطية في الفلسفة: أرسطو والوسط الذهبي
منذ أكثر من ألفي عام، وضع الفيلسوف اليوناني أرسطو أساساً فلسفياً عميقاً لمفهوم الوسطية من خلال ما عُرف بالوسط الذهبي. بحسب أرسطو، الفضيلة لا تكمن في الإفراط ولا في التفريط، بل في الوسط بينهما.
فالشجاعة، على سبيل المثال، هي وسط بين الجبن والتهوّر. والكرم وسط بين البخل والإسراف. وحتى الحكمة هي توازن بين السذاجة والمكر. هذا المفهوم يوضح أن السلوك الإنساني السليم لا يكون متطرفاً، بل مبنياً على عقل قادر على تقدير المواقف بوعي.
أرسطو لم يكن يدعو إلى الحياد السلبي، بل إلى عقل يزن الأمور ويختار الموقف الأكثر إنسانية وعدالة. وهنا يظهر الإنسان الوسطي كشخص أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متزنة، لأنه لا يُعميه التعصب ولا يشلّه الخوف.
اللون الرمادي والرقم الثالث: من الثنائية إلى الحسم
حين نخلط الأبيض مع الأسود، لا نحصل على لون ناقص أو مشوّه، بل على الرمادي. لون ثالث ناتج من دمج نقيضين. هذا اللون لا يلغي الأبيض ولا الأسود، بل يحتويهما معاً في صيغة أكثر واقعية.
وهنا يظهر البعد المنطقي للوسطية من خلال الرقم الثالث. فحين يكون لدينا لونان فقط، أبيض وأسود، يبقى الصراع قائماً. لكن بدمجهما، يتكوّن لون ثالث، تماماً كما يحدث في التفكير الإنساني: تجربة أولى، تجربة ثانية، ثم قرار ثالث يكون غالباً هو الحاسم.
في حياتنا اليومية، نلاحظ أن الرقم الثالث يحمل دلالة الاتزان والحسم. نحاول مرة أولى، نعيد المحاولة ثانية، ثم تأتي المرة الثالثة كخلاصة واعية. نعطي فرصة أولى، ثم ثانية، ثم تكون الثالثة فاصلة.
هكذا يصبح اللون الرمادي والرقم الثالث وجهين للفكرة نفسها: الانتقال من الثنائية الجامدة إلى خيار ثالث ناضج، يجمع الخبرة، ويحقق التوازن، ويمنح الإنسان حرية نفسية وعقلية أكبر.
هذا "الخيار الثالث" أو ما يمكن تسميته الصندوق الرمادي، هو المساحة التي لا يُفرض فيها على الإنسان أن يكون مع الأبيض بالكامل أو مع الأسود بالكامل. بل يُسمح له أن يأخذ من الاثنين، ليصل إلى قرار أكثر حكمة، بعيداً من التعقيد والصراع الداخلي.
المنطقة الرمادية كمساحة راحة إنسانية
الإنسان المتطرف يعيش في توتر دائم، لأنه في صراع مستمر مع كل ما يخالفه. أما الإنسان الوسطي، فيعيش بتوازن داخلي أكبر، لأنه تصالح مع فكرة أن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة، وأن الحقيقة ليست دائماً مطلقة.
المنطقة الرمادية تمنح الإنسان القدرة على فهم الآخر من دون أن يلغي نفسه، وعلى الاختلاف من دون عداء، وعلى تغيير رأيه من دون أن يشعر بالهزيمة. وهي مساحة تسمح بالنمو الفكري بدلاً من الجمود.

الوسطية ليست حياداً… بل وعي
من أكبر الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الوسطية تعني عدم اتخاذ موقف. على العكس تماماً، الوسطية موقف في ذاته، لكنه موقف مبني على التفكير لا على الانفعال.
الإنسان الوسطي لا يساوي بين الحق والباطل، ولا يبرر الظلم، لكنه يرفض التبسيط المخلّ، ويبحث عن العدالة في التفاصيل.
هي شجاعة قول لا للتطرف، ونعم للعقل، وربما حين تكون ربما أكثر صدقاً من يقين زائف.
خاتمة
يخرج التوازن عن حدود المعتاد عندما يتحول الرمادي إلى ملاذٍ للعمق والتفكير.
الإنسان الوسطي ليس ضائعاً، بل واع. ليس ضعيفاً، بل متوازن. وليس بلا موقف، بل صاحب موقف ناضج وإنساني.
فالوسط، كما تقول الفلسفة وتثبت التجربة، ليس منطقة
خاطئة…
بل هو، في كثير من الأحيان، المكان الأكثر حكمة وإنسانية.

العلامات الدالة