صناعة الفوضى وسقوط وهم القوة
أكرم بزي
يقف العالم اليوم امام مشهد معقد تتداخل فيه خيوط السياسة بالعمل الاستخباراتي المحترف، حيث يكشف البروفيسور جيفري ساكس أبعاداً خطيرة حول كيفية إدارة الولايات المتحدة الاميركية من جهاز أمني عسكري لا يخضع للرقابة الدستورية التقليدية، وهو ما يعرف بالدولة العميقة التي ترسم المسارات الخارجية بعيداً من إرادة الرؤساء المتعاقبين.
ويرى ساكس أن هذا الجهاز هو المحرك الفعلي للحروب والنزاعات المستمرة، معتبراً أن النظام العالمي القائم على القواعد ليس سوى واجهة وهمية تروّج لها واشنطن لتمرير أجنداتها الخاصة وشرعنة تدخلاتها في شؤون الدول السيادية التي ترفض التبعية المطلقة. فالخطة التي استهدفت تغيير الأنظمة في فنزويلا ودول أخرى تمثل اليوم النموذج الذي تسعى الادارة الاميركية الى إسقاطه على الواقع الايراني بكل تفاصيله التقنية والسياسية، مع تحذيرات جدية من أن طهران باتت الهدف العسكري القادم الذي قد يجرّ الكوكب نحو عواقب وخيمة، بسبب غياب السيطرة السياسية الحقيقية على القرار الاميركي المندفع نحو المواجهة الشاملة.
في هذا السياق يقدم الخبير العسكري سكوت ريتر شهادة ميدانية تثبت فشل أدوات الاستخبارات المركزية والموساد في اختراق الداخل الايراني بشكل بنيوي، رابطاً هذا التعثر بسلسلة من الإخفاقات التاريخية التي تعود الى تسعينات القرن الماضي حين فشلت واشنطن في خطف صدام حسين من قصره. ويوضح ريتر أن الاعتماد الكلي على تحريك الشارع عبر التكنولوجيا الحديثة مثل الهواتف المرتبطة بالاقمار الصناعية وشبكة ستارلينك يسقط دائماً عندما تمتلك الدولة المستهدفة أجهزة أمنية قادرة على اختراق هذه الشبكات، وتحويل العملاء الى أدوات مزدوجة تخدم الأمن القومي، مشيراً الى أن سيناريو مادورو الذي يعتمد على الإبهار السينمائي والعمل الاستخباراتي الجريء اصطدم في طهران وبغداد بواقع أمني متماسك استطاع فك الرسائل المشفرة وتفكيك غرف التحكم التي تدار من لانغلي وفيرجينيا، مما أفقد المخطط عنصر المفاجأة والفاعلية وجعل من ادوات التخريب عبئاً على مشغليها في الخارج الذين راهنوا على سقوط سريع للجبهة الداخلية.
إن المعطيات الراهنة تكشف عن هندسة تقنية متطورة للاحتجاجات الرقمية تدار عبر غرف عمليات مظلمة في تل أبيب وبعض العواصم التي تبحث عن تغيير الخارطة السياسية للمنطقة، حيث تم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وجيوش "البوتات" لتزييف الزخم الشعبي وتضخيم الأرقام الافتراضية، لإيهام الراي العام بوجود ثورة شاملة تكتسح الميدان. وبينما يسعى الاعلام الصهيوني الى تهيئة الأجواء لعدوان عسكري وشيك عبر ضخ سيل من الأخبار المضللة، تؤكد المصادر المطلعة أن إجهاض هذه العمليات الاستخباراتية في مهدها واعتقال شبكات التجسس، كان السبب الحقيقي وراء تراجع واشنطن عن خيارات التصعيد العسكري المباشر في اللحظات الأخيرة. فالقدرة على كشف أدوات التخريب قبل وصولها الى أهدافها أصابت مطابخ القرار في واشنطن بالارتباك الشديد، وفرضت واقعاً جديداً يعتمد على الحسابات الدقيقة بدلاً من الإندفاع العسكري الذي كان سيؤدي حتماً الى كارثة كبرى لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو السيطرة على شراراتها المتطايرة في كل اتجاه.
ويأتي التراجع الأميركي الموقت عن توجيه ضربة عسكرية واسعة نتيجة تداخل عوامل ميدانية وسياسية معقدة للغاية، ففي منتصف كانون الثاني من عام 2026 أعلن الرئيس ترامب بشكل مفاجئ عن تراجع حدّة العنف في الداخل الايراني، وهو تصريح ذكي سحب البساط من تحت ذريعة التدخل الانساني التي كانت تستخدم غطاء ديبلوماسياً للعدوان. كما لعبت الوساطات الاقليمية الكثيفة من دول مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان ومصر دوراً محورياً في ثني واشنطن عن الهجوم، بعد تحذيرات جدية من أن أي ضربة ستؤدي الى فوضى إقليمية شاملة تضرب المصالح الاقتصادية وتدمر إمدادات الطاقة العالمية بشكل لا يمكن اصلاحه، مما جعل الاستمرار في خيار الحرب مغامرة إنتحارية لا يقبل بها الحلفاء قبل الخصوم، نظراً الى ارتباط مصالح الجميع باستقرار ممرات الملاحة والتجارة الدولية التي تمر عبر مضيق هرمز.
المفأجاة الكبرى تمثلت في التحفظ الاسرائيلي الذي ظهر في اللحظات الحاسمة من عمر الأزمة، بحيث أشارت التقارير الاستخباراتية الى أن بنيامين نتنياهو طلب من ترامب التريث وتأجيل خطط الهجوم الواسع، وذلك ليس رغبة في السلام أو تغليباً للغة العقل، بل خشية من رد إيراني تدميري غير مسبوق في ظل استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الصهيونية مثل آرو ومقلاع داوود خلال جولات التصعيد السابقة التي أثبتت ثغرات المنظومة الدفاعية، بالاضافة الى تفضيل تل أبيب خيار التآكل الداخلي المستمر عبر الاحتجاجات والضغوط المعيشية بدلاً من شن حرب خارجية قد تؤدي الى توحيد الشعب الايراني خلف قيادته العسكرية والسياسية. وترافق ذلك مع تهديدات ايرانية صريحة وصلت الى دول المنطقة بأن أي اعتداء ينطلق من أراضيها سيجعل القواعد الأميركية هناك أهدافاً مشروعة للرد الصاروخي المباشر، مما دفع بعض الدول الى طلب سحب الأفراد العسكريين الأميركيين بشكل عاجل لتجنب الانخراط في صراع مدمر يحرق الأخضر واليابس.
وفي نهاية المطاف، ظهر الإنقسام جلياً داخل الادارة الاميركية نفسها وبين أقطابها المختلفين، إذ برزت شكوك عميقة لدى مسؤولين رفيعي المستوى ومنهم نائب الرئيس جيه دي فانس، في جدوى الضربة العسكرية لإنهاء البرنامج النووي بشكل نهائي، وحذر هؤلاء من الإنجرار الى حرب أبدية جديدة في الشرق الاوسط تستنزف الموارد الأميركية وتتناقض تماماً مع شعار أميركا أولاً الذي رفعه ترامب في حملته الانتخابية. وهذا الصراع الداخلي يعكس الهوة الواسعة بين تطلعات الدولة العميقة التي تريد الهيمنة مهما كان الثمن وبين الواقعيين الذين يدركون حدود القوة في عالم متعدد القطب، مما أدى الى تجميد خيارات المواجهة المباشرة والعودة الى استراتيجيات الضغط البارد التي تعتمد على العقوبات والحصار الاقتصادي الطويل، وهو ما يثبت أن توازن الردع واليقظة الأمنية والتعقيدات الجيوسياسية قد انتصرت في هذه الجولة على طموحات جنرالات الحرب الذين كانوا يسعون لاشعال فتيل الحرب الشاملة.
إن الدروس المستفادة من هذه الأزمة تشير الى أن اساليب القوة الناعمة والحروب السيبرانية لم تعد كافية لإسقاط الدول التي تمتلك حصانة أمنية ووعياً استراتيجياً بآليات التخريب الحديثة، فالفشل الأميركي في إيران ليس مجرد تعثر عسكري بل هو سقوط لمنظومة فكرية كاملة كانت تعتقد أن السيطرة على الفضاء الرقمي تعني بالضرورة السيطرة على الواقع الأرضي. ومع استمرار تحولات موازين القوى، يجد البيت الأبيض نفسه مضطراً لإعادة تقييم خياراته في منطقة لم تعد تقبل الإملاءات الخارجية كما كان يحدث في العقود الماضية، ليبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة واشنطن على التعايش مع قوى إقليمية صاعدة استطاعت تفكيك شيفرات القوة الأميركية وتحويلها الى مجرد أوراق محروقة في لعبة الأمم الكبرى التي تدار اليوم بعقول باردة وإرادة صلبة لا تعرف الانكسار أمام العواصف العاتية، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من توازن الرعب الذي يمنع القوى العظمى من التهور ويجبرها على احترام قواعد الاشتباك الجديدة والمحافظة على ما تبقى من استقرار عالمي هش.
نبض