هل الظروف الحالية مؤاتية لبيع "طيران الشرق الأوسط"؟

هل الظروف الحالية مؤاتية لبيع "طيران الشرق الأوسط"؟
الأرزة اللبنانية على طائرات "طيران الشرق الأوسط"
Smaller Bigger

جبران الخوري*

 

إنّ فكرة الاستحواذ الاستراتيجي على شركة طيران الشرق الأوسط من مجموعة عالمية كبرى مثل CMA CGM تستحق نقاشاً جدياً ومتأنّياً، وذلك رغم تأكيد مصرف لبنان عدم صحة الأخبار المتداولة في هذا الشأن. 

غير أنّ الإشكالية الأساسية لا تتعلق بهوية المشتري المحتمل بقدر ما تتصل بتوقيت الإقدام على خطوة من هذا النوع.

تُعدّ شركة طيران الشرق الأوسط شركة عاملة ومربحة، وقد أثبتت قدرة لافتة على الصمود في ظل ظروف بالغة الصعوبة. 

إلا أنّ لبنان يرزح حالياً تحت مخاطر سيادية مرتفعة، وعدم استقرار سياسي، وضعف واضح في القدرة التفاوضية للدولة. وأي عملية بيع تُنفّذ في هذا السياق ستُسعَّر حتماً على أساس مخاطر الدولة، لا على أساس القيمة الجوهرية أو الاستراتيجية الطويلة الأمد للشركة، ما يعني تكريس خسارة بنيوية بدل تحقيق قيمة مضافة.

فالخصخصة الكاملة في هذه المرحلة تعني نقل السيطرة على الناقل الوطني الوحيد للبنان في توقيت تعجز فيه الدولة عن حماية مصالح استراتيجية أساسية، من بينها استمرار الربط الجوي، والحفاظ على فرص العمل، وضمان استمرار الخدمات في أوقات الأزمات. 

وحتى في حال وجود مالك استراتيجي محترف، فإن منطق إدارة المجموعات الكبرى يفرض إعطاء الأولوية للكفاءة التشغيلية الشاملة على حساب الاعتبارات الوطنية.

إن مواطن الخلل التي تعاني منها شركة طيران الشرق الأوسط، ولا سيما منها التدخلات السياسية، وعدم استثمار الإمكانات المتاحة كاملة، هي وقائع قائمة. غير أنّ هذه الوقائع لا تشكّل مبرراً لبيع الشركة في ظروف ضاغطة، بل تستدعي مساراً إصلاحياً جدياً يشمل حوكمة فاعلة، وعزل الإدارة عن الضغوط السياسية، وإرساء إطار تنظيمي واضح، وربما إدخال شريك استراتيجي بحصة أقلية، بما يسمح بتحسين الأداء وتعزيز القيمة من دون التفريط بالسيطرة.

 

طائرة تابعة للخطوط الجوية اللبنانية في مطار بيروت الدولي. (أ ف ب)
طائرة تابعة للخطوط الجوية اللبنانية في مطار بيروت الدولي. (أ ف ب)

إذن شركة طيران الشرق الأوسط هي الناقل الوطني للجمهورية اللبنانية وإحدى المرافق الاقتصادية الاستراتيجية ذات الطابع السيادي. وقد أثبتت رغم الأزمات المتلاحقة التي أصابت لبنان والمنطقة، قدرة تشغيلية وربحية مكّنتها من الاستمرار وتوزيع أرباح منتظمة على المساهمين خلال السنوات الماضية. غير أن طرح مسألة بيع الشركة يستوجب مقاربة علمية تأخذ في الاعتبار العوامل المؤثرة في التقييم الفعلي، بعيداً من المقاربة المحاسبية الضيقة أو الحاجة الظرفية للسيولة.

من المعروف أن مصرف لبنان يستحوذ على نسبة تفوق 99% من أسهم الشركة، بينما تتوزّع النسبة المتبقية، وهي أقل من 1% بمعظمها بين عدد من الموظفين الحاليين والسابقين أو فروعهم القانونيين. 

اما لجهة تقييم شركات الطيران فيُستند عادة إلى مجموعة من المؤشرات، أبرزها صافي الأرباح التشغيلية، ومضاعفات الربحية المعتمدة في القطاع، وقيمة الأصول والأسطول، والقدرة على التوسع والنمو، إضافة إلى مستوى المخاطر السيادية والسياسية والتنظيمية في الدولة التي تنشط فيها الشركة. ويُلاحظ في هذا السياق أن شركات الطيران تتأثر بشكل خاص بالبيئة المحيطة بها، نظراً الى طبيعة نشاطها المرتبط بالأمن، والتأمين، والعبور الدولي.

 في المقابل، يُشكّل الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان عاملاً رئيسياً في خفض أي تقييم محتمل لشركة طيران الشرق الأوسط. فارتفاع المخاطر السيادية، وغياب الاستقرار النقدي، وعدم انتظام المالية العامة، تؤدي جميعها إلى فرض حسم مرتفع على القيمة العادلة للشركة عند أي عملية بيع. المستثمر المحتمل لا يُقيّم الربحية الحالية فحسب، بل يأخذ في الاعتبار استدامتها على المديين المتوسط والطويل، وهو ما يتأثر مباشرة بمخاطر الدولة المضيفة.

تجدر الاشارة الى ان صناعة الطيران ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار السياسي والأمني. وفي حالة لبنان، تؤدي التوترات الإقليمية والداخلية إلى ارتفاع تكلفة التأمين وتقييد بعض عمليات التشغيل، فضلاً عن تقليص فرص التوسع المستقبلي. هذه المعطيات تنعكس سلباً على شهية المستثمرين، وتؤدي إلى خفض التقييم، حتى في حال تحقيق أرباح تشغيلية جيدة في المدى القصير.

علماً ان السوق اللبنانية تتميز بصغر حجمها وارتفاع درجة الاعتماد على الطلب الموسمي وحركة المغتربين. كما أن ضعف دور بيروت كمركز عبور إقليمي فاعل يحدّ من إمكانات النمو العضوي للشركة. وتُعدّ هذه المحدودية عاملاً إضافياً في خفض القيمة السوقية، إذ أن المستثمر يفضّل الشركات القادرة على التوسع في أسواق واسعة أو متعددة.

 كما يساهم غياب إطار تنظيمي حديث ومتكامل، إلى جانب ضعف المنافسة المنظمة، في خلق حالة من الضبابية القانونية والتنظيمية، وذلك رغم إنشاء الهيئة المنظمة للقطاع أخيراً. كما أن عدم استثمار الإمكانات الكاملة للشركة، سواء على مستوى الشراكات الدولية أو الطيران المخفوض التكلفة (ليس قبل العام المقبل) أو تحويل الموقع الجغرافي إلى منصة ربط إقليمية، يؤدي إلى تقييم الشركة على أساس أدائها الحالي لا على أساس قدراتها الكامنة.

في ضوء العوامل السابقة، فإن أي عملية بيع تُجرى في الظرف الحالي ستخضع لحسومات مرتفعة مرتبطة بالمخاطر السيادية والسياسية والتنظيمية. وبناءً على معايير التقييم المعتمدة في قطاع الطيران، يمكن تقدير القيمة المحتملة لشركة طيران الشرق الأوسط، في حال البيع اليوم، بمبلغ قد لا يتجاوز 900 مليون دولار أميركي. ويُعدّ هذا التقدير انعكاساً مباشراً للبيئة المحيطة أكثر مما هو انعكاس لأداء الشركة التشغيلي في ذاته.

اما في حال تحسّن البيئة العامة عبر تحقيق حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني، وتنفيذ إصلاحات مالية وتنظيمية، وتطوير الإطار الإداري والاستراتيجي للشركة، فإن تقييم طيران الشرق الأوسط قد ينتقل إلى مستوى مختلف جذرياً. عندها، يمكن احتساب القيمة على أساس النمو المستقبلي والإمكانات الإقليمية، ما قد يرفع التقييم التقديري إلى حدود 2 مليار دولار أميركي، علماً أن رئيس الشركة محمد الحوت قدر قيمتها بحدود 1.7 مليار دولار في حوار تلفزيوني جرى في نهاية العام الماضي. 

لا بد هنا من التسجيل أن الفجوة الكبيرة بين التقييم الحالي والتقييم الممكن في ظروف أفضل لا تعود إلى ضعف في الشركة ذاتها، بل إلى عوامل خارجية قابلة، من حيث المبدأ، للمعالجة. 

بالنتيجة، إن بيع شركة طيران الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة يحمل مخاطر تفويت قيمة وطنية واقتصادية كبيرة، وتحويل خسارة ظرفية ناتجة من البيئة العامة إلى خسارة دائمة.

قد تكون الخصخصة جزءاً من مستقبل شركة طيران الشرق الأوسط. إلا أنّ الإقدام عليها في الظرف الراهن يعني بيع أصل استراتيجي من موقع ضعف. وعليه، فإن الأولوية يجب أن تُعطى لخفض المخاطر، وتصحيح الخلل من خلال الحوكمة، واستعادة الاستقرار، تمهيداً لأي شراكة أو بيع محتمل من موقع قوة.

تنويه:  المعلومات الواردة هي تقديرية وتحليلية لا تشكّل تقييماً مالياً معتمداً ولا تتضمن إفصاحاً عن معلومات غير منشورة، بل تهدف حصراً إلى إبراز أثر العوامل المحيطة على القيمة السوقية المحتملة.


*مساهم في شركة طيران الشرق الأوسط

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.