الحِقد: حين لا تكون المشكلة في الآخر بل في القلب

منبر 20-01-2026 | 11:11

الحِقد: حين لا تكون المشكلة في الآخر بل في القلب

هذا الشعور لا يؤذي من نحمّله إيّاه… بل يفضح ما لم نُعالجه في داخلنا.أن نُبقي الألم حيًّا، يعني أن نمنح الماضي سلطة كاملة على حاضرنا، وأن نحوّل القلب إلى ساحة عقاب لا يخرج منها أحد سالمًا
الحِقد: حين لا تكون المشكلة في الآخر بل في القلب
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

ناهيا أبو ابراهيم - خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية


هذا الشعور لا يؤذي من نحمّله إيّاه… بل يفضح ما لم نُعالجه في داخلنا.
أن نُبقي الألم حيًّا، يعني أن نمنح الماضي سلطة كاملة على حاضرنا، وأن نحوّل القلب إلى ساحة عقاب لا يخرج منها أحد سالمًا
ليس ما نحتفظ به في صدورنا انفعالًا عابرًا، ولا ذاكرة قوية كما يحلو للبعض أن يبرّر، بل إقامة طويلة للألم في أعمق نقطة في النفس. المفارقة القاسية أن الطرف الآخر غالبًا ما يكون قد تجاوز، أو شفي، أو مضى في حياته، فيما نبقى نحن أسرى شعور نلبسه ثوب العدالة والكرامة. يحاول هذا المقال قراءة هذه الحالة لا بوصفها أزمة علاقة، بل كاختلال داخلي يمسّ القلب، والنفس، والإيمان، ويدعو القارئ لمواجهة السؤال الأصعب: من الذي يدفع الثمن فعلًا؟

ما يُسمّى ثباتًا أو صلابة، يكون في جوهره قرارًا داخليًا بإبقاء الجرح مفتوحًا. هو سجن نفسي يسكنه صاحبه بإرادته، يظنّه حماية من الانكسار، بينما يستنزف طاقته، ويبعده عن السلام الداخلي، وعن الله، وعن علاقاته الإنسانية. حتى لحظات الفرح لا تكتمل، لأن الداخل مشغول بإعادة تمثيل مشهد قديم لم يُغلق بابه بعد.
نحن أمام احتفاظ مزمن بالغضب والعداء تجاه شخص أو تجربة، مع رفض النسيان أو الصفح حتى بعد زوال الأذى. وعلى عكس الغضب الذي يهدأ بطبيعته، تستقر هذه الحالة في الداخل وتتحوّل مع الوقت إلى جزء من الهوية. يظن صاحبها أنها درع، لكنها في الحقيقة قيد ثقيل يمنعه من التحرّر والمضيّ قدمًا.
صاحب هذا العبء لا يعيش الحدث، بل يعيش استعادته مرارًا، وكأن الزمن توقّف عند لحظة الألم.

الجذور النفسية
ليس كل من تأذّى يحمل هذا الحمل طويلًا، لكن من يحمله غالبًا ما يخبّئ جرحًا قديمًا لم يُعالَج. في كثير من الحالات، تعود الجذور إلى الطفولة: شعور بالظلم، إهمال عاطفي، قسوة، تمييز بين الإخوة، أو صدمة لم يُسمح لها أن تُقال. الطفل الذي تُرك وحيدًا مع ألمه، يكبر وهو يتقن القسوة، لا لأنها قوّة، بل لأنها البديل الوحيد الذي تعلّمه.
ومن لم يُحتوَ في ضعفه، يصعب عليه أن يكون لينًا في نضجه، فتتشوّه علاقاته ويختلّ إحساسه بالأمان.

لماذا يستعصي الصفح؟
من منظور علم النفس، نحن أمام آلية دفاع غير ناضجة. حين يعجز الإنسان عن التعبير عن غضبه أو استرداد حقه، يقوم العقل اللاواعي بتجميد الانفعال وتحويله إلى شعور ثابت. الصفح يحتاج إلى أمان داخلي، وهذا الأمان غائب لدى من يعيش في حالة تهديد مستمرة. ذاكرته ليست أرشيفًا، بل جهاز إنذار لا يهدأ، يعيد تشغيل المشاهد نفسها عند كل تشابه أو استفزاز.

ليست المشكلة في الآخر
الخلل لا يكمن في الشخص الذي نحمّله مسؤولية الألم، بل في القلب الذي اختار أن يحتفظ به. الطرف الآخر قد نسي أو تجاوز، بينما يبقى صاحب هذا الثقل أسير مشهد قديم يعيد تمثيله داخليًا بلا توقف. في النهاية، لا يُعاقَب الخصم، بل يُعاقَب القلب الذي لم يُشفَ.

في ميزان الإيمان
في المنظور الديني، هذا الشعور مرض قلبي يحجب صاحبه عن صفاء الإيمان. قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
وقال أيضًا في وصف أهل الجنة:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾
القلب السليم لا يحمل غِلًا. وأحب العباد إلى الله ليسوا الأكثر طقوسًا، بل الأنقى صدورًا والألين قلوبًا. ولا يمكن لقلبٍ مثقلٍ بالأذى أن يذوق حلاوة القرب، أو يدّعي المحبة الإلهية وهو يحمل ما يبغضه الله.

أسئلة لا مفرّ منها
من الذي يتألّم اليوم فعلًا؟
ماذا ربحتُ من هذا الحمل بعد كل هذه السنوات؟
هل يقودني هذا الشعور إلى الله أم يبعدني عنه؟
بأي قلب سأقف بين يديه؟
هل حماني هذا الثقل أم شوّه علاقاتي؟
كم من الفرص ضاعت لأنني لم أُشفِ نفسي؟

أثره على العلاقات
هذا الثقل الداخلي سمّ بطيء يتسرّب إلى العلاقات الزوجية والأسرية. يقتل الطمأنينة، يزرع الشك، ويحوّل الحب إلى صراع صامت. صاحبه لا يشعر بالأمان، حتى مع أقرب الناس إليه، فتتآكل المسافات، ويصبح الانسحاب دفاعًا غير معلن.

طريق التحرّر
التحرّر ليس شعارًا أخلاقيًا ولا ادّعاء تسامح، بل مسار شفاء: الاعتراف بوجود الجرح، العودة إلى أصله لا إلى الأشخاص، السماح بالحزن، ثم تعلّم أن الصفح تحرير للنفس لا تبرئة للآخر. هو فعل شجاعة داخلية، لا ضعف.

خاتمة
هذا الشعور ليس قوة، بل أضعف أنواع التعلّق بالألم. ولا يمكن لقلبٍ مثقلٍ به أن يعرف الطمأنينة، أو يبني علاقة آمنة، أو يذوق سلام الإيمان. الشفاء يبدأ حين نختار أن نكون أخفّ قلبًا، لا لأن من آذانا يستحق، بل لأن قلوبنا خُلقت لتسكن… لا لتُعذَّب.

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.