قانون الانتخاب في دولة مؤجلة

منبر 19-01-2026 | 10:27

قانون الانتخاب في دولة مؤجلة

هذه التركيبة السياسية ـ الطائفية هي المسؤولة المباشرة عن معاناة اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقضائية، وعن انهيار الثقة بكل ما يمتّ إلى الدولة بصلة. 
قانون الانتخاب في دولة مؤجلة
لبنان.
Smaller Bigger

شرف أبو شرف 

نقيب الاطباء سابقا

 

لم يعد محزنا ما نسمعه يوميا في وسائل الإعلام، بل بات مثقَلا بالمرارة والخذلان. آراء، ومشاريع اقتراحات، وسجالات لا تنتهي حول قانون الانتخابات النيابية، وشروط "صحة التمثيل"، وقواعد "نزاهة العملية الانتخابية"، وكأن المشكلة تقنية بحتة، فيما العطب الحقيقي أعمق بكثير: عطب في بنية الدولة نفسها التي لم تعد تستوفي مقومات الدولة. ما نسمّيه دولة يتراءى اليوم شركة غير شرعية، تتقاسم أركانها منظومة طائفية ـ مالية تقوم على المحاصصة واقتسام المغانم ونهب المدّخرات والثروات العامة. هكذا تراكم الدين العام، وأُلقي عبؤه على كاهل الجيل الحالي والأجيال المقبلة.

 

هذه التركيبة السياسية ـ الطائفية هي المسؤولة المباشرة عن معاناة اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقضائية، وعن انهيار الثقة بكل ما يمتّ إلى الدولة بصلة.

 

في هذا السياق، يصبح قانون الانتخاب انعكاسا للأزمة لا مدخلا إلى حلّها. فبدل أن يكون نصا عاما، شاملا وثابتا، يؤسس لتمثيل عادل ومستقر، يجري تفصيله كل أربع سنوات على قياس أهل السلطة بما يضمن إعادة إنتاجهم. والسلبية الكبرى في القانون الحالي أنه يكرّس احتكار القوى الكبرى للحياة السياسية، ويقصي أي محاولة جدية للتغيير، في ظل سطوة المال السياسي واستثمار العصبيات الطائفية والتعميم الممنهج والتضليل المتعمّد.

 

أما المعارضة التي يُفترض أن تكون رافعة التغيير، فقد كشفت الانتخابات الأخيرة هشاشتها. بدت في معظمها هيكلا خاليا من مضمون يوحي بالثقة أو بالقدرة على الفعل. معارضة مفككة، بلا برنامج موحّد وبلا رؤية جامعة، الأمر الذي عمّق شكوك القوى الشعبية المستقلة في صدقيتها وجدواها. وهكذا، كشفت النتائج السابقة قبائح النظام، لا قوة المعارضة.

 

لقد أتعبنا الماضي بهيمنة الوصاية، ويتعبنا الحاضر بمخلّفاتها: فساد، وانهيار، وانسداد أفق. أما المستقبل، فبات رهينة الإحباط أو الهجرة. كيف السبيل إلى الإنقاذ، وكل طائفة تمتلك حق النقض لكل ما يمسّ مصالحها؟ في ظل هذا النظام، لا يمكن أن تقوم دولة حق وقانون ومؤسسات، ولا أن يتحقق تمثيل شعبي حقيقي في نظام طائفي طبقي جائر.

 

ومع ذلك، يبقى الأمل ممكنا. السبيل الوحيد إلى الإنقاذ هو الديموقراطية الحقيقية، القائمة على المواطنة والعلمانية والعدالة الاجتماعية. وهذا يقتضي أولا إصدار قانون انتخابي يستند إلى مبادئ المساواة والعدالة والديموقراطية، وتديره هيئة قانونية مستقلة ونزيهة. قانون يفرض سقفا صارما للإنفاق الانتخابي، ويضمن تكافؤ الفرص الإعلامية، ويُجري الانتخابات في يوم واحد على كل الأراضي اللبنانية، تحت إشراف قضاء مستقل فعليا.

 

ولكن أيّ قانون، مهما كان عادلا، يبقى ناقص الأثر من دون معارضة موحّدة. المواجهة تفرض تنسيقا وتضامنا حقيقيين بين قوى المعارضة كافة، ووضع برنامج عمل منهجي قائم على وحدة صلبة لا على تحالفات ظرفية. عندها فقط، يستعيد الناس حريتهم في الاختيار وحقهم في الاختلاف، وكرامتهم الإنسانية، ويتحررون من ثنائية الترهيب والترغيب، ومن الارتهان للرزق اليومي كسلاح سياسي.

 

كذلك يقتضي الأمر تحرير مؤسسات الدولة، وإداراتها، وقضائها، من المصادرة والتوظيف لمصلحة المتنفذين وحاشياتهم. بذلك وحده يمكن إنقاذ الدولة من مغتصبيها، وإعادة بناء دولة الحق، وسيادة القانون، والديموقراطية، والانتقال من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام، ومن ثقافة الدويلات المتعددة إلى ثقافة الدولة الواحدة، السيدة، الحرة، الديموقراطية.

 

إن العهد الجديد المدعوم من الداخل والخارج، يقف أمام فرصة تاريخية نادرة. وقد منحَه اللبنانيون ثقةً واسعة، إيمانا بقدرته على الإقدام على الخطوات التي التزمها. أمنيتُنا أن يتحلّى بالحزم والجرأة، وأن يترجم الأقوال أفعالا ملموسة، تواكب حجم التحديات وآمال الناس.

 

أما إذا بقيت الحال على ما هي واستمرت المعارضة في تشرذمها، فإن أيّ انتخابات مقبلة لن تكون سوى محطة جديدة لإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، المسؤولة عمّا وصلنا إليه اليوم.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
المشرق-العربي 1/17/2026 1:10:00 PM
دعت هيئة العمليات المدنيين في منطقة غرب الفرات إلى الابتعاد عن مواقع حزب العمال وفلول النظام حلفاء تنظيم "قسد" بشكل فوري...