حين تُدار الدولة بمنطق "الحصان الميت"

منبر 15-01-2026 | 09:31

حين تُدار الدولة بمنطق "الحصان الميت"

في كل مرة يُفتح فيها ملف إصلاح مؤسسات الدولة اللبنانية، يتكرّر المشهد نفسه: وعود بالتحديث، خطط للرقمنة، وحديث عن أدوات جديدة لمكافحة الفساد. 
حين تُدار الدولة بمنطق "الحصان الميت"
صورة تعبيرية
Smaller Bigger

حنين الحسنية - باحثة دكتوراه في الإدارة العامة وبناء المؤسسات

 

 

في كل مرة يُفتح فيها ملف إصلاح مؤسسات الدولة اللبنانية، يتكرّر المشهد نفسه: وعود بالتحديث، خطط للرقمنة، وحديث عن أدوات جديدة لمكافحة الفساد. لكن خلف هذا الخطاب، يبقى الخلل الأساسي من دون معالجة. المشكلة ليست في نقص الأفكار، بل في الإصرار على إدارة الدولة بعقلية لم تعد صالحة.
هنا، تبدو "نظرية الحصان الميت" توصيفاً دقيقاً للواقع. فحين تكتشف أنك تركب حصانًا ميتًا، يكون القرار المنطقي هو التوقّف. في المقابل، ما نشهده هو محاولات دائمة لتغيير السرج، أو تحسين الطريق، أو تدريب الفارس، فيما يُتجاهل الواقع الأساسي: الحصان لم يعد قادراً على التقدّم.

هذا المنطق حاضر بقوة في مؤسسات الدولة اللبنانية. قوانين قديمة، هياكل إدارية مترهّلة، وسياسات تُدار بالترقيع لا بالإصلاح. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الفساد نتيجة طبيعية لا استثناءً، لأن المنظومة نفسها عاجزة عن إنتاج الشفافية أو فرض المحاسبة.
اليوم، يُطرح الذكاء الاصطناعي كمدخل للتطوير، وكأنه الحلّ القادر على إنقاذ الإدارة العامة. لكن إدخال التكنولوجيا، من دون تغيير جوهري في طريقة العمل، لا يغيّر شيئًا. فالذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن القرار، ولا يعوّض غياب المساءلة. ويمكن، في بيئة مختلّة، أن يتحوّل إلى أداة إضافية لإخفاء الخلل بدل كشفه.
المسألة الأساسية ليست تقنية، بل مؤسساتية. فقبل السؤال عن الأنظمة الذكية، يجب طرح سؤال أبسط وأصعب: من يستخدم هذه الأدوات؟ وبأي منطق؟ وتحت أي رقابة؟ لأن أي نظام، مهما كان متطوّراً، يبقى مرهوناً بسلوك من يديره.
من هنا، تبرز أهمية الموظف العام كعنصر حاسم في أي مسار إصلاحي. فالإدارة لا تُصلَح بالبرامج وحدها، بل بالأشخاص. الموظف هو من يقرّر كيف تُطبَّق القوانين، وكيف تُستخدم الأدوات، وكيف تُترجم السياسات. ومن دون إعادة الاعتبار لدوره، ولمسؤوليته، ولمحاسبته، يبقى كل تحديث شكليًاً
استعادة الثقة بمؤسسات الدولة اللبنانية لا تبدأ من الخارج، ولا من التكنولوجيا، بل من الداخل. من الاعتراف بأن نماذج العمل الحالية استُنفدت، وأن الإصرار عليها لم يعد خياراً. فالدولة التي ترفض تغيير ذهنيتها، لا يمكنها أن تلتحق بزمن جديد، مهما كثرت مشاريعها الإصلاحية على الورق.
في زمن الذكاء الاصطناعي، ليست المشكلة في نقص الأدوات، بل في الإصرار على إدارة الدولة بعقلية حصانٍ ميت… ثم التساؤل لماذا لا نصل.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 1/14/2026 10:41:00 AM
صنّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاثة فروع لجماعة الإخوان المسلمين كمنظّمات إرهابية.
اقتصاد وأعمال 1/12/2026 4:51:00 PM
يُنظر إلى سقوط النظام على أنه ضربة حاسمة أضعفت مسار النفوذ الفارسي الإقليمي الذي كان يربط طهران بدمشق مروراً ببغداد وبيروت.
المشرق-العربي 1/13/2026 10:45:00 AM
حكمت الهجري: نحن نبحث عن مستقبل لا يكون فيه الدروز ضحايا. ولا يوجد ممرّ إنساني مع إسرائيل وهذا يصعّب جداً الحصول على المساعدات