كمال الصليبي يتقلّب في ضريحه حزناً على مصاب لبنان

كمال الصليبي يتقلّب في ضريحه حزناً على مصاب لبنان
المؤرخ كمال الصليبي.
Smaller Bigger

الدكتور كمال ديب


يتعجب متابع أحداث لبنان اليوم لاستمرار هذا البلد شكلياً بمؤسساته ودولته، فيما كل الدلائل تظهر أنّه أصبح دولة فاشلة. فإذا كان اجتماع شعب ما في دولة وحكومة، وفق الفيلسوف جان - جاك روسو، يوجب "عقداً اجتماعياً"، فهذا العقد يتطلّب حدّا أدنى من المواطنية والتعاضد والمصير المشترك والروحية الواحدة ودولة الرعاية والأمن لكل المواطنين، إلخ. 

 

مثل هذا العقد لا نجده في لبنان، لا اليوم ولا مستقبلاً ولا ماضياً. ويزول العجب إذا قارنا وضع لبنان بشخص يعاني الغيبوبة. فالمريض يتنفس وقلبه يخفق لكنه في حالة موت سريري. وأي مراقب للبنان اليوم يجد أنّ التوق إلى الانفراط أقوى من أي وقت سابق (دون أن نقلل من دور الخارج في مصاب لبنان، ولكن دود الخل منه وفيه).

 

أول من تحدث عن "عقد اجتماعي لبناني" هو المؤرخ كمال الصليبي عام 1965 في كتابه "تاريخ لبنان الحديث" الذي نشرت دار "النهار" ترجمته العربية عام 1967. في هذا الكتاب يشرح الصليبي توصّل زعماء الطوائف المنتشرة في لبنان إلى عقد اجتماعي بعد اقتتال أهلي في ما بينهم دام عشرين عاماً (من 1841 إلى 1861). ولقد قضى عقدهم الاجتماعي بتوزيع مصالحهم الإقطاعية بعدل، والتعاون ضد الجيوش العربية والأجنبية (فتوافقوا أولاً ضد الجيش المصري عام 1841 ثم حصلوا على حكم ذاتي بضمان دولي عام 1861).

 

والحال أن الدول الكبرى منحت جبل لبنان نظاماً حديثاً، فنعم بنصف قرن من الاستقرار. إلا أنّ حداثة هذا النظام جعلت الزعماء الإقطاعيين يقفون ضده صفاً واحداً - ومعهم جماعتهم الطائفية المسلحة - ما أخاف أول متصرف، داود باشا، من مقاطعة الزعماء. فأوجد لهم مناصب بدءاً من مجلس تنفيذي مروراً بالدرك وتحصيل الضرائب. هذا هو إذاً "العقد الاجتماعي" المزدوج: توافق طائفي داخلي وضمان خارجي. 

 

في أي حال، ما دعاه الصليبي "عقداً اجتماعياً" لا يشبه شيئاً مما قصده جان - جاك روسو. فالعقد الاجتماعي يتطلّب مجتمعاً عصرياً وعلمنة الدولة وخدمة الدولة الحديثة للشعب أولاً وأخيراً. بل الأرجح أنّ الصليبي الشاب كان متفائلاً بمستقبل لبنان رغم أنّه شهد أحداث الأربعينيات والخمسينيات ومنها حرب 1958 في عهد كميل شمعون. ومع ذلك أنهى كتابه عام  1964 (سنة قبل صدوره) مع انتخاب رئيس الجمهورية شارل حلو بخلاصة إيجابية أنّه بلد ديموقراطي حرّ.

 

غير أنّ الصليبي عاد عام 1988 بكتاب آخر متشائم هو "بيت بمنازل كثيرة"، فيما لبنان يشهد حرباً مدمّرة وقاسية استمرت 15 عاماً. فهو يقول في كتابه الجديد إنّ لبنان من أكثر البلدان انقساماً. واللبنانيّون أنفسهم، مسيحيّين ومسلمين، في حال عداء مستشرٍ ويتفشّى بينهم وباء الانقسام. وهو في هذا الكتاب يعيد النظر في السردية التي توافق عليها الزعماء ركيزةً لبناء الدولة اللبنانيّة من 1920 إلى 1943. 

 

لقد أظهرت أحداث لبنان منذ الاستقلال أنّه غير قادر على تحمُّل أعباء الانقسام الطائفي في غياب الحسّ الشعبي بالوحدة الوطنية التي يعمل الزعماء على إبقائها في حال مرضي مزمن. ولكي يستمر حكم الزعماء الذين يتمتعون بشعبية عارمة في وسطهم الطائفي، فهم يحافظون على لبنان موحداً بالقوة كما يحافظون على شعرة معاوية مع غيرهم من الزعماء. وهنا يستند الصليبي إلى حقائق مرّة عن تجربة العيش المشترك في نظرته المتفحّصة التي لا ترحم للتاريخ اللبناني.

 

مرّة ثانية، عجباً كيف يستمر لبنان بحكومة ورئيس وأحزاب، فيما قسم من شعبه يتمنى الموت والدمار لقسم آخر، وفيما غابت الدعوة إلى اللحمة الوطنية عن نوابه ووزرائه ورؤسائه، ما يؤكد مراراً أنّ لا علاقة لهذا البلد بما يسمى "عقداً اجتماعياً" يتطلّب حدّاً أدنى من التفاهم، أقلّه إرادة العيش معاً. 

 

ولمن يهمه الأمر، هذه ليست دعوة إلى الانفصال بمعروف، بل صرخة إلى أصحاب الأمر، أن افعلوا شيئاً لإنقاذ لبنان وتكلّموا بما يوحّد ولا تزيدوا على الجراح.         

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
شمال إفريقيا 1/17/2026 12:33:00 PM
في منشور له على منصة "إكس"، قال السيسي اليوم السبت إنه وجه خطاباً لترامب للتأكيد على موقف مصر ومخاوفها بشأن أمنها المائي بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي.