زمن البهلوان… بصراحة!
د. عصام ي. عطالله - استاذ جامعي، كاتب وباحث
يتقلّب المشهد السياسي في لبنان يومًا بعد يوم، إلى حدّ بات فيه الواقع معتمًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات. لم يعد الضباب يغطّي الرؤية فحسب، بل طال المعايير، والمحاسبة، ومعنى الدولة نفسه. وفي هذا المشهد، يبحث المواطن عن "أوكسيجين" الحياة في بلد حوّلت طبقته الحاكمة الأزمات إلى حالة دائمة، والانهيار إلى أسلوب حكم.
هذه الحال ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة منظومة متوارثة، انتقلت من حكومة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، عبر أدوات وأشخاص تمكّنوا من الإدارات والمواقع الأساسية في الدولة. ومع الوقت، تحوّل الفشل إلى أمر مألوف، والفساد إلى قاعدة، والاستسلام إلى ثقافة عامة. فبات المواطن يتعايش مع واقع لا يُحتمل، فيما مؤسسات الدولة تُفرَّغ من دورها وتُترك ساحة مفتوحة للهدر والاختلاس.
من البيئة إلى الصحة، ومن الاتصالات إلى السير، ومن الطاقة إلى الكهرباء، يتكرّر المشهد نفسه: غياب تخطيط، انعدام رقابة، وفشل مزمن. غير أن الأخطر اليوم يتمثّل في الصدام الاقتصادي–الاجتماعي الذي بلغ ذروته. انهيار العملة، تبخّر الودائع، تفكك النظام المصرفي، غياب أي سياسة مالية واضحة، وفرض ضرائب ورسوم من دون خدمات، كل ذلك حوّل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة بين دولة عاجزة ومجتمع يُستنزف يوميًا.
لم يكن الانهيار المالي قضاءً وقدرًا، بل نتيجة خيارات سياسية ومالية معروفة: إنفاق بلا محاسبة، دين بلا إصلاح، نظام مصرفي بلا رقابة، وتداخل واضح بين السلطة السياسية والمالية. ومع ذلك، لم تُحاسَب منظومة واحدة، ولم يُفتح ملف حتى نهايته. جرى تحميل الخسائر للمودعين، وتُرك الناس لمصيرهم، فيما استمر الخطاب الرسمي في التبرير والمماطلة.
في هذا السياق، يصبح الشعب هو الضحية الدائمة. ضحية أداء سياسي يخنق الإدارات ومواردها ويعصرها كما يعصر الأخطبوط فريسته. ضحية نظام لا يرى في المواطن إلا رقمًا ضريبيًا أو صوتًا انتخابيًا عند الحاجة. وضحية اقتصاد بلا حماية اجتماعية وبلا حدّ أدنى من العدالة.

التدهور البيئي، كما الصحي والتربوي، ليس إلا وجهًا آخر لتلوّث أعمق: تلوّث إداري وفكري واقتصادي. هذا هو مرض لبنان الحقيقي. وبين هذه الأوجه، تتوالد الأزمات من دون حاجة إلى استيراد مشاكل الخارج، إذ إن عوامل الانفجار الداخلي جاهزة ومزروعة وتُستدعى عند كل استحقاق أو تسوية. والسبب واحد: غياب المحاسبة وغياب الدولة.
وإذا كانت أزمات لبنان نابعة في أساسها من الداخل، فإن خطورتها اليوم تتضاعف بفعل الانكشاف الكامل على الخارج، في ظل غياب رؤية اقتصادية وسياسية واضحة. فلا خطة تعافٍ جدّية، ولا إصلاحات بنيوية، ولا إدارة شفافة للمال العام. نناقش منذ عقود الأزمات نفسها: كهرباء بلا كهرباء، اتصالات متخلّفة، نقل مشترك غائب، نظام صحي هش، وإدارة عامة مشلولة.
المفارقة أن دولًا أقل موارد استطاعت تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطنيها، فيما يُنهَب اللبناني في ماله ووقته وكرامته، ويُتَّهَم في الوقت نفسه بعدم القيام بواجباته. تُفرض عليه الضرائب من دون خدمات، ويُطالَب بالصبر من دون أفق، وتُدار الدولة بمنطق الأعذار بدل الحلول.
وبصراحة، المشكلة ليست في الكهرباء، ولا في المصارف، ولا في القوانين، ولا حتى في الاقتصاد بحدّ ذاته، بل في منظومة حكم فاشلة عطّلت الدولة وحوّلت الانهيار إلى قدر دائم. منظومة تبدّلت وجوهها من دون أن تتبدّل عقليتها، غاب فيها الشبعان وظهر الجوعان، وغرق الشعب أكثر في الهوان.
ومع ذلك، يبقى الأمل مشروطًا بكسر هذه الدائرة: دائرة التطبيع مع الفشل، وتقديس العجز، وتحويل الدولة إلى مسرح بهلواني. فإما استعادة معنى الدولة كمسؤولية ومؤسسات وعدالة، وإما استمرار الانهيار بلا نهاية.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية
نبض