لبنان والخليج: من سياسة الدعم إلى اقتصاد الشراكة

منبر 14-01-2026 | 13:32

لبنان والخليج: من سياسة الدعم إلى اقتصاد الشراكة

الخليج مستعد للمساهمة في تعافي لبنان، شرط أن يتقدّم الأخير برؤية تُقنعه بشراكة اقتصادية حقيقية
لبنان والخليج: من سياسة الدعم إلى اقتصاد الشراكة
العلم اللبناني رمز المساواة (تصوير حسام شبارو).
Smaller Bigger

البروفيسور حسن الموسوي، أستاذ جامعي وخبير في الشؤون المالية والاقتصادية

 

تشهد العلاقات الاقتصادية بين لبنان ودول الخليج لحظة تحوّل نوعي، تنتقل فيها الشراكة من منطق الدعم التقليدي إلى تعاون استثماري يقوم على الجدوى والعائد المشترك. فدول الخليج تعيد اليوم رسم أدوارها الاقتصادية ضمن رؤى استراتيجية تنوّع مصادر الدخل، وتجذب التكنولوجيا ورأس المال البشري، وتبحث عن مشاريع تُحدث أثرًا تنمويًا مستدامًا. وفي هذا الإطار، لم يعد معيار الشراكة هو القرب التاريخي أو طلب المساعدة، بل القدرة على تقديم قيمة مضافة واضحة وقابلة للقياس.

 

صحيح أنّ دول الخليج حافظت تاريخيًا على علاقة خاصة مع لبنان، إلا أن العلاقة التي يمكن لها أن تستمر بمعزل عن التغيرات والتبدلات السياسية هي تلك القائمة على الشراكة المسندة إلى المنفعة المتبادلة لأطرافها. فالخليج مستعد للمساهمة في تعافي لبنان، شرط أن يتقدّم الأخير برؤية تُقنعه بشراكة اقتصادية حقيقية، لا مجرّد عناوين سياسية أو وعود غير قابلة للتنفيذ. ولا ينفصل هذا التحوّل في النظرة الخليجية عن التحوّلات الأوسع في أسواق الطاقة والاستثمار؛ فمع تقلّبات أسعار النفط، وتقدّم مبادرات كبرى مثل "رؤية السعودية 2030"، ترتفع الأولوية للمشاريع التي تولّد قيمة مضافة فعلية وتُسهم في بناء سلاسل إنتاج وخدمات عابرة للحدود، ما يفرض على لبنان مقاربة التعاون مع الخليج بمنطق جديد يقوم على الجهوزية والتنفيذ لا على تاريخ العلاقة وحده.

 

في هذا السياق، ورغم الانكماش التراكمي العميق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني منذ اندلاع الأزمة في عام 2019، والذي قارب حدود الأربعين في المئة وفق تقديرات دولية، شكّل عام 2025 محطة أولية لتعافٍ محدود، مع مؤشرات على تسجيل نمو إيجابي في حدود 3–4%. صحيح أنّ هذا التحسّن لا يعوّض الخسائر التراكمية الكبيرة ولا يرقى إلى مستوى التعافي المستدام، لكنه يؤكد أنّ الدورة الاقتصادية لم تنقطع بالكامل، وأنّ الإمكانات البنيوية لا تزال قائمة ويمكن إعادة تفعيلها إذا وُضعت على مسار إنتاجي واضح. غير أنّ لبنان، وفي وقت نجحت اقتصادات متوسطية غير نفطية في استقطاب استثمارات خليجية وازنة خلال السنوات الأخيرة، لا يزال خارج هذه الدورة الاستثمارية، ما يجعل الشراكة الخليجية نافذة تعافٍ جاهزة، شرط التعامل معها بعقلية "اقتصاد الفرص" لا بذهنية "انتظار الإنقاذ". فاليونان، على سبيل المثال، نجحت بعد أزمتها المالية في جذب استثمارات خليجية في قطاعات الطاقة والمرافئ والسياحة، مستندة إلى وضوح تشريعي وسرعة تنفيذ، لا إلى خطاب تضامني.

 

وعليه، يبقى السؤال الجوهري أمام صانع القرار اللبناني: ماذا أعدّ لبنان كي يصبح شريكًا لا عبئًا؟ وهل نملك الإرادة للانتقال من عقلية الاعتماد والمطالبة إلى عقلية الإنتاج والشراكة؟ فلبنان لا يكفيه أن يعتزّ بما قدّمه للعرب سابقًا، بل عليه أن يقدّم اليوم ما يثبت استحقاقه لشراكة اقتصادية قادرة على خلق الفرص والنمو.

 

لبنان لا ينطلق من نقطة الصفر؛ فهو يمتلك ما يجعله شريكًا فاعلًا في الاقتصاد الخليجي المتجدّد، ولا سيما عبر صادرات الخدمات ذات القيمة المرتفعة. فالتعليم والصحة والتكنولوجيا تشكّل اليوم أعمدة تعاون واعدة، مستندة إلى حضور لبناني طويل في تطوير البنى التعليمية والصحية في الخليج. ويكفي التذكير بالكوادر الطبية والأكاديمية اللبنانية التي ساهمت في نجاح مؤسسات رائدة في السعودية والإمارات وقطر. ويمكن البناء على نماذج قائمة، من جامعات لبنانية وسّعت تعاونها عبر برامج مشتركة، إلى شركات استشارات تسهم في مشاريع الحوكمة والتحوّل الرقمي. وهذه التجارب لا تعكس فقط تصدير كفاءات، بل تصدير معرفة وخدمات مؤسسية قادرة على خلق قيمة مضافة عابرة للحدود.

 

وتتأكد أهمية هذا المسار في مؤشرات واقعية تشرح حجم الفرصة المتاحة؛ إذ تُقدَّر أعداد اللبنانيين العاملين في الدول الخليجية وفقاً لأحدث التقديرات إلى نحو خمسمائة ألف، يشكّلون منذ عقود جسرًا اقتصاديًا واجتماعيًا بين لبنان والمنطقة، وتسهم تحويلاتهم المالية في دعم الاستقرار النقدي والمعيشي. وقد قُدّرت هذه التحويلات بنحو 6.7 مليارات دولار في عام 2023، وبحدود 5.8 مليارات دولار في عام 2024، ما يجعلها أحد أبرز مصادر العملة الصعبة، وقابلة لأن تتحوّل من دعمٍ استهلاكيّ ظرفي إلى رسملةٍ إنتاجيةٍ مستدامة - أي من اقتصاد يستهلك نفسه إلى اقتصاد يبني مستقبله - إذا توفّرت الرؤية الصحيحة والأدوات الاستثمارية الملائمة؛ فالوقت في هذه اللحظة ليس عنصرًا محايدًا، بل عامل حسم: إمّا يُستثمر الآن، أو تُغلق نافذته إلى أمدٍ غير معلوم.

 

ولا تقتصر الفرص على قطاع الخدمات؛ فالزراعة والصناعات الغذائية يمكن أن تتحوّل إلى رافعة اقتصادية واجتماعية في آنٍ معًا. فأسواق الخليج تعتمد على الاستيراد لتأمين ما يقارب 80–85% من حاجاتها الغذائية، فيما لا تزال حصة المنتجات اللبنانية من هذه السوق متواضعة، قياسًا إلى حجمها الكبير. غير أنّ المؤشرات التجارية تُظهر أنّ الدول الخليجية، تُعدّ من أبرز وجهات الصادرات اللبنانية، بما في ذلك المنتجات الغذائية، ما يعكس وجود طلب قائم يمكن توسيعه. ويكمن التحدّي الحقيقي لا في ضعف المنتج، بل في سلاسل القيمة، من التوضيب والمعايير إلى التخزين البارد واللوجستيات والاعتمادات المطلوبة. ومن شأن الاستثمار في هذه الحلقات أن يحوّل الزراعة من قطاع يعاني الهشاشة إلى محرّك نموّ يعيد الحيوية الاقتصادية إلى المناطق الريفية، ويحدّ من الهجرة الداخلية والخارجية. فالاقتصاد المنتج لا يقوم فقط على الأرقام، بل على تمكين الناس من البقاء في أماكنهم بكرامة.

 

أما قطاع الطاقة والغاز فيمثّل فرصة استراتيجية لا تُعوّض. فموقع لبنان على خريطة الغاز في شرق المتوسط، وإن بقي حتى الآن في إطار الإمكان أكثر منه في إطار الفعل، يمكن أن يتحوّل إلى عنصر تكامل استراتيجي مع دول الخليج المنتجة للطاقة، لا منافسًا لها. فالتحدّي لم يعد مَن ينتج أكثر، بل مَن ينجح في بناء شراكات ذكية في التمويل، ونقل الخبرات، وتطوير الخدمات المساندة، من التنقيب إلى البنى التحتية والتوزيع.

 

وهنا يمكن لرؤوس الأموال الخليجية أن تلعب دورًا حاسمًا في تقليص سنوات من الانتظار، وإدخال لبنان إلى خريطة الغاز الإقليمية. غير أنّ هذه الفرصة تبقى مشروطة بقدرة الدولة على الانتقال السريع من النوايا إلى التنفيذ، ضمن نافذة زمنية لا تتجاوز 12 شهرًا، تفرضها حدّة المنافسة في شرق المتوسط وتسارع دورات القرار الاستثماري. ويتطلّب ذلك إطلاق مناقصات شفافة وتشريعات مستقرة توفّر للمستثمرين حدًّا أدنى من اليقين القانوني.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج الدبلوماسية الاقتصادية إلى إدارة هادئة وعقلانية تُعيد تقديم لبنان في صورته الحقيقية، بلد كفاءات، واقتصاد حرّ، وأسواق مفتوحة، لا ساحة تنازع وتجاذبات. فالاستثمار، خلافًا للدعم، يقرأ المخاطر قبل العوائد، ولا يضع أمواله حيث يحلّ الغموض محلّ القانون. من هنا، لم يعد التحدّي في تشخيص الفرصة، بل في امتلاك شجاعة القرار قبل أن تُقفل نافذتها.

 

إنّ بناء شراكة اقتصادية منتجة مع الخليج ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لإحياء الاقتصاد الوطني وإيجاد فرص العمل للشباب. ومع ذلك، تبقى الثقة المالية والمؤسسية شرطًا مسبقًا لا نتيجة لاحقة. فلا استثمار بلا قطاع مالي قادر على تمويل النمو واستعادة الودائع.

 

في المحصّلة، لا يكمن التحدّي في مدى استعداد دول الخليج للتعاون، بقدر ما يرتبط بقدرة لبنان على إعادة تقديم نفسه كشريك اقتصادي موثوق، ضمن معادلة استثمارية تقوم على الوضوح، والتنفيذ، والجدوى. فالفرص الإقليمية المتاحة حقيقية، لكنها لا تُستثمر بالنيات ولا تُحفظ بالخطاب، بل برؤية اقتصادية متماسكة، وسياسات عامة مستقرة، وإدارة قادرة على مواكبة إيقاع القرار الاستثماري في المنطقة. وبين اهتمامٍ عابر واستثمارٍ فعلي، يبقى عامل الزمن حاسمًا؛ إذ إنّ الاقتصادات التي تتأخر في التقاط الفرص نادرًا ما تُمنَح فرصة ثانية للدخول إلى مسارات التكامل والنمو.

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
شمال إفريقيا 1/17/2026 12:33:00 PM
في منشور له على منصة "إكس"، قال السيسي اليوم السبت إنه وجه خطاباً لترامب للتأكيد على موقف مصر ومخاوفها بشأن أمنها المائي بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي.