الموسيقى لغة الله الأولى
ريمي الحويّك
المسيح لم يبدأ رسالته بصومٍ ولا بعظة، بل بعرسٍ في قانا الجليل. حوّل الماء إلى خمر، لا ليعلّم الناس الزهد، بل ليعلن أن الفرح جزء من ملكوت الله. جلس مع الخطأة، حضر الولائم، وبكى وضحك. لم يكن ناسكاً منقطعاً عن الحياة، بل إلهاً دخل الحياة بكل تناقضاتها.
فهل نريد كهنة يشبهون المسيح، أم تماثيل شمعية بلا نبض؟
منذ سفر المزامير، والموسيقى في قلب العبادة: "سبّحوه بدفٍّ ورقص، سبّحوه بأوتارٍ ومزمار".
الأجراس التي تدقّ في كنائسنا ليست سوى موسيقى معدنية مرفوعة إلى السماء. الترانيم، الألحان البيزنطية، الموشّحات السريانية، وحتى الصمت الإيقاعي في الليتورجيا، كلّها أشكال موسيقية. فكيف تصبح الموسيقى فجأة "عيباً " حين يقدّمها كاهن خارج جدران الكنيسة؟

نرقص حين يزورنا البابا، ونصفّق له بحرارة. نصفّق في الكنيسة عندما يقبّل العريس عروسه في سرّ الإكليل، ونعتبر ذلك تعبيراً عن الفرح المقدّس. ندقّ الأجراس في الأعياد، ونملأ الكنائس بالزينة والنور. لكن حين يختار كاهن أن يقدّم الموسيقى كرسالة إنسانية وثقافية، تقوم القيامة؟
هذه الازدواجية لا تعبّر عن غيرة على الإيمان، بل عن خوف منه. خوف من الفرح، من الجمال، من الحرية، ومن كل ما يذكّرنا بأن المسيحية ليست ديانة كآبة، بل رسالة قيامة.
الكاهن، مهما علت صفته الروحية، هو أولاً إنسان. يعيش الجسد الذي خلقه الله، ويحمل مشاعر البشر، ويتنفس الفرح والحزن، ويخطئ ويتوب، ويصلّي ويتأمل.
أن يسبح الكاهن، أو يشرب الخمر، أو يسمع الموسيقى، أو يكتب الشعر، أو يحتفل بعيد ميلاده، أو يلعب كرة قدم أو طاولة… كل ذلك لا ينقص من قداسته، بل يذكّرنا بأن القداسة ليست إنكاراً للإنسان، بل ارتقاء به.
القداسة في بعض المخيّلة المسيحية اللبنانية تحوّلت إلى قطيعة مع الحياة، لا إلى إنارتها. كأن المطلوب من الكاهن أن يكون خارج الزمن، بلا صوت، بلا رأي، بلا فن. وهذا خطر، لأنّ كاهناً بلا إنسانية هو رجل دين بلا رسالة.
الموسيقى، حين تُقدَّم بصدق، ليست فضيحة، بل جسر. جسر بين الكنيسة والعالم، بين الإيمان والثقافة، بين الله والإنسان. والكاهن الذي يعزف أو يغنّي لا يدنّس كهنوته، بل يوسّع مائدته.
لا عيب في حفلٍ موسيقي يقيمه كاهن!
بل في عقلٍ يرفض الفرح!
ليس العيب في الكاهن، بل في نظرة تحاصر الله داخل قوالب ضيّقة!
ونحن اللبنانيين، هل ننسى من قرّبنا من الكنيسة، ومن شبّث إيمان أجيالٍ كاملة؟
أليست ترانيم فيروز وماجدة الرومي هي التي أعادت كثيرين إلى المقاعد الخشبية، وإلى معنى الصلاة، وإلى الحنين الروحي؟
كم من مؤمن تعرّف إلى الإنجيل عبر صوتيهما قبل أن يتعرّف إليه عبر وعظة؟
فما الفرق بين من يرنّم، ومن يعزف، أو من ينسّق الموسيقى؟
أليست الرسالة واحدة، واللغة واحدة، والغاية واحدة؟
وإذا كان الصوت مقبولاً حين يرفع الصلاة، فلماذا يُدان اللحن حين يحملها؟
في الاعتراض على زيارة كاهنٍ برتغالي لإقامة حفلٍ موسيقي، لا نكون أمام نقاشٍ لاهوتي بقدر ما نحن أمام أزمة فهمٍ للإنسان، وللدعوة الكهنوتية، وللمسيحية نفسها.
فطوبى لكنيسةٍ لا تخاف من الموسيقى،
وطوبى لكاهنٍ يعرف أن الفرح أيضاً خدمة،
وطوبى لإنسانٍ فهم أن الله لا يُسبَّح فقط بالكلمات،
بل بالنغم، وبالفرح، وبالحياة.
نبض