غسّان سكاف الطبيب الفارس، الوطني النموذجيّ، المُستقيم الذي يشبهنا، الراحل، الباقي!

منبر 13-01-2026 | 14:18

غسّان سكاف الطبيب الفارس، الوطني النموذجيّ، المُستقيم الذي يشبهنا، الراحل، الباقي!

مَن عرفك يا صديقي، يُدرك كم أنت مُستقيمٌ، مُحبٌ، كريم ومِعطاء. راقٍ، عالمٌ وعَليم.
غسّان سكاف الطبيب الفارس، الوطني النموذجيّ، المُستقيم الذي يشبهنا، الراحل، الباقي!
النائب غسان سكاف.
Smaller Bigger

المحامي كارول سابا

صديقي الحبيب غسان، انا لا أخاطبك بالماضي، فأنت لم تَمض، بل بصيغة الحاضِر. فنحن، وأنت، لا نقول بالموت ولا بنُصرَتِه، فالموت سقطَ عندما دَحرَهُ السيِّد، له المجد، بقيامته من بين الأموات، وجَمعنا في هذا الرجاء! فالموت يَخطفُ الأحبة عند الذين لا رجاءَ لهُم! وأنت، ونحنُ، على قول بولس لأهل رومية "فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مُواظبين على الصلاة".

 

"سوف أُعَرِّفُكَ إلى مَن يشبهُك"! أتذكُر يا عزيزي قَوْل مَن جَمعنا؟ قول المثلث الرحمات الطيِّب الذكر المتروبوليت أنطونيوس (الشدراوي)، متروبوليت المكسيك حينها، عندما حضرنا، أنا مِن غربٍ لا يزال يُشرقُ فيه الشرق، وأنت من شرقٍ لا يَغربُ عنه الغرب، للقاء غبطة أبينا البطريرك يوحنا العاشر الحبيب؟

 

أتذكر كيف خطفنا أنطونيوس، بعد لقائنا بغبطته، واحِدٌ بيده اليُمنى، وآخر باليُسرى، وجَمَعَنا، هناك، في أنفه، على الساحل الكوراني، تحت الريح، وبجوار المَلّاحات القديمة الشاهدة على تاريخيّة هذه المَطارح. أتذكر كيف جمعنا في تلك المَسمكة، مسمكة "جرجي الضيعة"، التي أمْست محطة بلمندية لكل بلمندي؟ كيف جمعنا هناك على مائدة محبة، تمدَّد بها السمك على أشكاله، السمك الآتي من هذا "البحر الكبير الواسع" كما يقول المزمور، كيف جمعنا معاً على مائدة الرب، وهو ميناء كل البِحار، مائدة سمك من خيراته ونِعَمِه؟ ومَن يعرف أهمية رمزية السمكة بالمسيحية، يُدرك كيف كانت الشركة، شركة الاستقامة والصداقة والمحبة، حاضرة في هذا اللقاء، ولا تزال بيننا!

 

"سوف أُعَرِّفُكَ إلى مَن يشبهُك"! اصاب أنطونيوس، الذي أحببناه معاً كأسقف مِقدام، بالصميم! فأنت الأخ الذي لم تلده أمي، مختلف عني بالاسم، وشبيه بي بالطبيعة. فالولادة بالمسيح، جمعتنا إلى واحد، على استقامة روح ورؤية فيها دسامة خُلقية وأخلاقية. فظهَرَت أخوّتنا جَلِيّةً نَضِرة مثل الندى السَحَري الصباحي على أزهار الأرض، أخوّة صداقة تمركزت كالعطر بيننا، وهي لا تزال تعطرنا.

 

مَن عرفك يا صديقي، يُدرك كم أنت مُستقيمٌ، مُحبٌ، كريم ومِعطاء. راقٍ، عالمٌ وعَليم. ذكيٌّ وفي فكره عَصْفٌ دائم. طبيب وحكيم، إنساني الى ما لا نهاية، في يده مبضع يداوي المرض، وفي قلبه وروحه وفمه بلسمٌ يُداوي الجراح، الجسدية والنفسية لمرضاه. إنسان حاضِر وفي عينيه نار ونور. متواضع وفي العِزّة مُقيم. صديقٌ، صادق وصدوق. مُحب للكنيسة الأرثوذوكسية الأنطاكية، غيور على وحدتها وتوهّجها، الآن وهنا. وطني لا غبار عليه، لا يحصرُه مذهب، ولا تحدّه مصلحية طائفية.

 

جسرٌ للقيا والتلاقي، لا يزال يمدّ جسده وفكره وروحه ليَعبُرَ على حجارة هذا الجسر العتيق النقيّ، كلّ أبناء هذا الوطن. عاشق للبنان ومواهبه وجمالياته المنظورة وغير المنظورة التي لا تزال دفينة فيه، بالرغم من قباحة هذه الأيام.

 

مَن عرفك يا صديقي، يُدرك كم أنت فارس الجمال! أصَابت الصديقة العزيزة ميسم، عندما وصفتك بالفارس. نعم صَدقَت رفيقة العمر، الأستاذة وأم الشباب، الذين أنت وهي ونحن أيضاً نتفخر بهم، لكونهم يشبهونكما. نعم، فارسُ الجمال. والجمال أمر بديهي لمَن هو وليد الجمال، كما أنت، ومُعقَّد لكل من تسود في روحه دهريات كثيرة. فلا كل مَن رَكِبَ الخيل، أمسى فارساً. فالفروسية تلامِسُ الجمال وتحضنُه وتُقدِّمُه للآخرين، جمالُ الروح والخلق والأخلاق، والكلام والحضور. وأنت جامعها، روح، وخلق وأخلاق، وكلام الحضور وحضور الكلام. والجمال هو مِعيارنا، خيارنا وقضيتنا. صديقي المُفضَّل بين الكتّاب والمُفكرين المؤثرين، دوستويفسكي، وهو للعالِمين بقضايا الروح، من آباء الكنيسة الجدد، سبق أن قال إن "الجمال سوف يُنقذ العالم" وهو يعني به المسيح السيد ربّ الأرباب وسيد الأسياد. 

 

مَن عرفك يا صديقي، يُدرك أن هذا القول ينطبق عليك. فكل من يتبع نموذجية جمال المسيح، يُنقِذ من حوله الكثيرين، كما أنت أنقذت الكثيرين. سيرافيم دو ساروف، أكبر قديس شعبي في روسيا، كان يقول "جِدِ السلام في داخِلك وآلاف مِن حَولك يُنقَذون". فالجمال والسلام هما عنوانان لمسيرتك الطبّية والمجتمعية والوطنية. ولأنك من هذا الجمال الذي من العُلى ومن السلام الذي من فوق تستقي، ظَهَرَت نموذجيتك الوطنية للجميع كمستقل مستقيم من هذه القلة القليلة الباقية التي تعمل للخير العام ولإعلاء الشأن الوطني، ولكل أبناء هذا الوطن بكل مكوّناته وأطيافه.

 

فأنت زمن الرجاء في زمن اليأس. وزمن الثقة في زمن القنوط. وزمن المُبادرة في زمن الانكفاء. أنت من هذه القلة الفاضلة التي عرفت أن لبنان في أزمة وجودية وكيانية، وأن مُساكنة المُرّ لا تحليه، وأن إنقاذ لبنان يتطلب وعي الجميع وتعاضُدهم وتكاتفهم لإظهار قواسِم مُشتركة استراتيجية يجب العمل على تظهيرها، بسرعة دون تسرُّع. فلبنان يَغرق، والمطلوب اليوم، قبل كل شيء، إنقاذه من الغرق. فلبنان اليوم يَحترق، والمطلوب اليوم قبل كل شيء، وقف الحريق. فلبنان اليوم ينهار، والمطلوب اليوم، قبل كل شيء، وقف هذا الانهيار. لذا نراك تعمل، بلا ضجيج ولا كلل، لبناء الجسور ولتنمية وتطريز وتظهير المَواهب السَلامِيّة الوطنيّة، من خلال مُقاربات شفافة وسليمة وصِحِّيّة فكرياً، وسياسياً وخُلقياً وأخلاقياً، لا من خلال تمييع المفاهيم والأسس والمبادئ والكذب الذي أمسى رياضة وطنية في لبنان، بل من خلال تظهير هيكلية قِيَم وأسُس قانونية ترتكز عليها المصلحة الوطنية العليا الاستراتيجية.

 

 

أتذكُر كم كنّا نردّد معاً قولي إن المجتمعات تموت قبل أن تُقتل، أي عندما يموت فيها الخُلق والأخلاق؟ فطائر الفينيق مٌعرَّض اليوم للموت بسبب خلط وتسطيح كل المعايير وضرب القيم بشعبويّة ومصلحية، وبسبب توحُّل السياسة الى درجة مقيتة لم يَعُد فيها يُمَيَّز الصالِح من الطالح، والفاضل من المُتسلق، المنزّه من المصلحي. فلا يزال تحالف المال والاقتصاد والسياسة القديم، المَصلَحِيّ، يستمر ويتجدد، وهو الذي أوصلنا إلى تمييع المسؤوليات ومَفاهيم دولة القانون ومُقتضياتها وهو الذي حَوَّل كل شيء، بما فيه الشعب والنُخَب ومدّخراتهم، إلى سِلعة. فخضوع النُخَب الثقافية والاجتماعية والمالية والاقتصادية اللبنانية للأحزاب والبيوت السياسية الإقطاعية، القديمة والجديدة، هو الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.

 

قلة قليلة مستقلة تصبر، وأنت ونحن منها. قلة قليلة مستقلة تتمسَّك بالتمييز الفاضِل، وأنت ونحن منها. قلة قليلة مستقلة تتشبّث بصفاء العقيدة وبذكاء التموضع، وأنت ونحن منها. هذه القلة المستقلة المستقيمة ليست، على عكس ما يعتقد الكثيرين، بلا طعم ولون، بل هي كحبّة الحنطة تموت لتُثمِر، تربط بذكاء الحق والفضيلة وعليها اليوم أن تكون اقتحامية في زمن تحويل قوة الحق إلى حق القوة، لنصرة قوة القانون لا قانون القوة.

 

نموذجية عملك الإنساني والوطني يا صديقي غسان سكاف الوطني المُستقيم النموذجيّ الذي يشبهُنا، تكمن في أنك أظهرت للجميع هذا التحدي الوطني بهدوء وذكاء وسلامية ومناقبية ومنهجية واستقامة.

 

عهدنا لك يا صديقي أن نرفع راية هذه النموذجية التي تُشير إلى الجوهر وإلى ضرورة المُبادرة الذكيّة والمستقيمة للخروج من دوامات هذا الوطن، فلا نقبل بالمساومة وبالتمييع، بل نسعى للوضوح والشفافية والمساءلة، ونعمل لتنقية العمل الوطني، مميّزين، بوضوح ما هو في جدلية المُهم والأهَمّ، الأهم، من أجل ضرورات المصلحة الوطنية ليلتف الجميع من حولها، فنعبر من جديد إلى دولة القانون ومُجتمع الخُلق والأخلاق، فننتقل على حسب قولك من "دولة المَذاهب إلى دولة المَواهب".

 

غسّان، صديقي الحبيب، أنت في القلب والفكر باقٍ، وذكرك مؤبد!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 1/30/2026 11:14:00 AM
بيان لوزارة التربية والتعليم العالي... ماذا جاء فيه؟
لبنان 1/31/2026 9:04:00 AM
بقوة 2.8 درجات على مقياس ريختر
موضة وجمال 1/29/2026 10:45:00 AM
ديفا كاسيل تعود إلى منصّات باريس، وتتألّق كـ"الفتاة الذهبية" لإيلي صعب
موضة وجمال 1/30/2026 11:43:00 AM
الملكة رانيا تختصر المودّة بكلمات قليلة في عيد ميلاد الملك عبد الله الثاني.