لبنان على مفترق طرق: هل ينجو البلد وسط التحولات الجيوسياسية العالمية؟

منبر 13-01-2026 | 11:10

لبنان على مفترق طرق: هل ينجو البلد وسط التحولات الجيوسياسية العالمية؟

لبنان لم يعد مجرد دولة تواجه أزمة اقتصادية عميقة، ولا ساحة صراع إقليمي عابر، بل أصبح حالة اختبار حقيقية في نظام دولي يتغير بوتيرة غير مسبوقة، حيث الدول الهشة إما أن تعيد تعريف نفسها وموقعها، وإما أن تُدفع تدريجاً إلى هامش التأثير العالمي.
لبنان على مفترق طرق: هل ينجو البلد وسط التحولات الجيوسياسية العالمية؟
الصورة من الانترنت
Smaller Bigger

بسام صراف

 

 

لبنان لم يعد مجرد دولة تواجه أزمة اقتصادية عميقة، ولا ساحة صراع إقليمي عابر، بل أصبح حالة اختبار حقيقية في نظام دولي يتغير بوتيرة غير مسبوقة، حيث الدول الهشة إما أن تعيد تعريف نفسها وموقعها، وإما أن تُدفع تدريجاً إلى هامش التأثير العالمي.
العالم يشهد اليوم مرحلة من أعنف التحولات منذ الحرب الباردة: صراعات نفوذ مفتوحة، إعادة رسم خرائط الطاقة، تحولات في التحالفات الإقليمية والدولية، وانهيار مفاهيم اقتصادية وسياسية كانت تُعد مسلّمات. وفي قلب هذه العاصفة، يقف لبنان بلا رؤية واضحة، مثقلاً بأزماته الداخلية، ومشلولاً بعجز نخبة عن قراءة اللحظة التاريخية.
لم يعد السؤال كيف يمكن إنقاذ لبنان، بل ما إذا كان لبنان، بصيغته الحالية، لا يزال حاضراً في حسابات العالم.
عالم جديد لا ينتظر المترددين
التحولات الدولية الحالية تعيد تعريف الأولويات: الولايات المتحدة تركز على صراعات نفوذ أكبر، روسيا تسعى لترسيخ مكاسبها الإقليمية، والصين توسّع نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط. الشرق الأوسط نفسه يشهد إعادة ترتيب غير مسبوقة على أساس الأمن والطاقة والتوازنات الاقتصادية، وليس الخطابات السياسية التقليدية.
في هذا السياق، لم تعد الدول الصغيرة تُقيَّم بحجمها الجغرافي، بل بقدرتها على اتخاذ القرار، وضبط مؤسساتها، وتقديم نفسها كشريك موثوق. لبنان، الدولة التي تأخرت في قراءة التحولات، تواجه معادلة قاسية: إما دولة واضحة الدور والوظيفة، وإما ساحة مفتوحة بلا أفق.

الاقتصاد كواجهة… والانهيار أعمق
ما يمر به لبنان ليس مجرد أزمة نقدية، بل تفكك بنيوي شامل. فوفق تقديرات البنك الدولي، خسر لبنان أكثر من 98 في المئة من قيمة عملته الوطنية منذ عام 2019، في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم الحديث.
هذا الانهيار لم يقتصر على الليرة فحسب، بل انعكس على مستوى المعيشة، التضخم، البطالة، وهجرة الشباب بشكل غير مسبوق. القطاع المصرفي، الذي كان يُعدّ الركيزة الأساسية، أصبح عبئاً على الاقتصاد الوطني، فيما الطبقة الوسطى تتلاشى بسرعة. الأكثر خطورة هو أن هذا الانهيار أصبح حالة مطبّعة تُدار بالأمر الواقع، من دون خطط واضحة، وبانتظار حلول خارجية قد لا تأتي.
لبنان في الحسابات الدولية: أولوية مؤجّلة
الديبلوماسية الدولية تتعامل مع لبنان اليوم كـ"ملف مؤجل" لا يتصدر أولويات الأمن أو الاقتصاد الإقليمي إلا عند الضرورة. دولة بلا سياسة خارجية متماسكة، وبلا رؤية اقتصادية، وبلا قدرة على إدارة أزماتها تجد نفسها تلقائياً خارج دائرة الاهتمام الدولي الفعلي.
في عالم تحكمه المصالح والسرعة، لا مكان طويلاً للدول التي تعجز عن مساعدة نفسها. لبنان بحاجة ملحّة إلى استراتيجية واضحة تعيد تعريف دوره وتحمي مصالحه الحيوية، وإلا ستبقى الدولة رهينة التوازنات الخارجية.
الدولة والسؤال الجوهري
لا يمكن لأي محاولة إنقاذية أن تتجاوز السؤال الأساسي: هل لبنان دولة فعالة أم كيان هش قابل للمساومة؟
العالم اليوم لا يتعامل مع الكيانات المزدوجة أو الغامضة. وضوح القرار، وحدة المرجعية، والمسؤولية المؤسسية أصبحت شروطاً مسبقة لأي دعم أو استثمار أو شراكة. الغموض، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كأداة توازن، أصبح اليوم عبئاً سياسياً واقتصادياً، ويزيد من عزلة لبنان بدل أن يحميه.
فرصة ضيّقة… لكنها قائمة
رغم المشهد القاتم، لا يزال لبنان يمتلك عناصر قوة كامنة:
• موقع جغرافي حساس على مفترق طرق الطاقة والتجارة.
• موارد طاقوية غير مستثمرة بعد، يمكن أن تصبح رافعة اقتصادية.
• مجتمع حيّ رغم النزيف، قادر على المبادرة إذا توافّر القرار.
غير أن هذه الفرصة محدودة زمنياً. العالم لا ينتظر الدول المترددة، ولا يمنح الوقت لمن يراهن على الجمود أو الهروب من المسؤولية.
في النهاية، في لحظة تاريخية يُعاد فيها رسم النظام الدولي، لا يُقصي العالم الدول الصغيرة في ذاتها، بل النخب التي تفشل في قراءة التحولات. لبنان أمام مفترق طرق: إما إعادة تعريف دوره وموقعه بجرأة ومسؤولية، وإما الانزلاق تدريجاً إلى هامش التاريخ، بلا قرار، بلا تأثير، وبلا أمل.
التاريخ لا يعاقب الدول على ضعفها، بل على إنكارها للواقع. لبنان اليوم بحاجة إلى شجاعة نخبه أكثر من أي وقت مضى، وإلى رؤية واضحة تحوّل الأزمة إلى فرصة لإعادة صوغ الدولة قبل أن تُفقد السيطرة على مصيرها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/1/2026 11:18:00 AM
أدّت هذه العمليات إلى تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها...
ترامب يشيد بـ"الوفيّ جدا" دان سكافينو خلال مشاركته حفل زفافه بمارالاغو
سياسة 2/1/2026 7:40:00 PM
استهداف جديد في الجنوب والمستشفيات تحذّر: تصعيد إسرائيلي متواصل يسفر عن شهداء وجرحى وتهديد للقطاع الصحي  
مجتمع 2/1/2026 12:42:00 PM
الرياح السطحية: جنوبية إلى جنوبية غربية، ناشطة، سرعتها بين 25 إلى 50 كلم/س