ما وراء الأكاذيب وجغرافيا الدم

منبر 13-01-2026 | 10:15

ما وراء الأكاذيب وجغرافيا الدم

يطل علينا الإعلام الدولي كل يوم ببرقع جديد، يغلف التحركات العسكرية الكبرى بعبارات منمقة من نوع مكافحة الإرهاب، حماية الديموقراطية، أو تأمين تدفق الطاقة. 
ما وراء الأكاذيب وجغرافيا الدم
رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو
Smaller Bigger

اكرم بزي

 

 

يطل علينا الإعلام الدولي كل يوم ببرقع جديد، يغلف التحركات العسكرية الكبرى بعبارات منمقة من نوع مكافحة الإرهاب، حماية الديموقراطية، أو تأمين تدفق الطاقة. غير أن الحقيقة التي تتقاطع عندها الخطوط الجيوسياسية على الخريطة تروي قصة مختلفة تماماً. نحن لا نعيش صراعات متفرقة أو أزمات ظرفية، بل نشهد عملية إعداد منهجية للمسرح، تمهيداً لما هو آتٍ، حرب كبرى تُرسم ملامحها في الغرف المظلمة، حيث لا مكان للمصادفة، ولا قيمة حقيقية للسيادة الوطنية أمام شهية الإمبراطوريات.

يحدثونك عن ضرب منشآت لتنظيم الدولة في سوريا، لكنهم يكذبون. فالوقائع على الأرض تقول إن تمركز القوى الكبرى في الشمال والشرق السوريين، وفي عقد الربط الاستراتيجية، لا يهدف إلى ملاحقة فلول جماعات مسلحة كان يمكن القضاء عليها خلال أسابيع لو خلصت النيات. الهدف الحقيقي أعمق وأخطر، ويتمثل في تمهيد الأرضية لما يمكن تسميته ممر داوود. هذا الممر ليس مجرد طريق تجارية عابرة، بل هو شريان حياة استراتيجي يمتد من منابع النفط والغاز في الخليج والمنطقة، مروراً بالأراضي السورية، وصولاً إلى المتوسط ومنه إلى قلب أوروبا. إنهم يستبقون الحرب القادمة بتأمين إمدادات الطاقة للقارة العجوز، مدركين أن الغاز الروسي سيتحول إلى سلاح مشلول أو مقطوع في الصدام الكبير، فكان لا بد من بديل يمر عبر جغرافيا سوريا مروضة وخاضعة للضبط العسكري.
وعلى المقلب الآخر من العالم، تُسوّق مسرحية السيطرة على فنزويلا على أنها معركة نفط لا أكثر، لكنهم يكذبون مرة أخرى. النفط الفنزويلي عنصر مهم بلا شك، غير أن السيطرة على هذا البلد تعني قبل كل شيء تأمين الحديقة الخلفية، وحماية الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها قناة بنما. إن إحكام القبضة على هذا الممر في هذا التوقيت لا يمكن قراءته خطوة اقتصادية صرفة، بل كإجراء عسكري استباقي لمنع التمدد الصيني من العبور إلى مسرح الحرب الكبرى عند اندلاعها. الهدف هو خنق التنين الصيني في مهده المائي، ومنعه من الوصول إلى المحيط الأطلسي أو تهديد النفوذ الغربي في القارة الأميركية، وهي استراتيجية خنق المضائق التي تسبق دائماً كسر العظام بين القوى العظمى.
وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل ما يجري في جنوب شبه الجزيرة العربية عن هذه الهندسة الكبرى للصراع. فالتطورات الأخيرة في حضرموت، سواء لجهة إعادة تموضع القوى المسلحة، أو محاولات السيطرة على القرارين الأمني والسياسي، تأتي في إطار سباق محموم للسيطرة على واحد من أهم المفاصل الجيوستراتيجية في المنطقة. حضرموت ليست مجرد رقعة جغرافية يمنية، بل عقدة وصل حيوية تطل على بحر العرب، وتشكل امتداداً طبيعياً لخطوط الملاحة والطاقة بين الخليج والمحيط الهندي. إن إحكام النفوذ على حضرموت يعني السيطرة على بوابة بحرية بديلة، وتأمين ممرات خلفية بعيداً عن مضيق هرمز وباب المندب، في لحظة يدرك فيها اللاعبون الكبار أن المضائق التقليدية باتت شديدة الهشاشة في أي مواجهة إقليمية أو دولية واسعة.
يروج الإعلام الغربي لصورة قوة لا تقهر، قوة تفرض هيمنتها لأنها متفوقة تكنولوجياً وعسكرياً. غير أن المنطق العسكري يكشف زيف هذه الرواية. فلو كانت تلك القوة في مأمن حقيقي من المنافسين، لما كان هناك أي داع لهذا الاستنفار المحموم، ولا لهذا السباق نحو تعزيز القواعد وبناء التحصينات وتأمين الممرات قبل سنوات من الصدام المتوقع. إن بناء الحصون وتأمين خطوط إمداد بديلة هو اعتراف ضمني بوجود ندٍّ حقيقي، وبأن الحرب القادمة لن تكون نزهة كما كانت حروب العقدين الماضيين. إنهم يستعدون لأنهم يخشون الانكسار، ويبنون لأنهم يدركون أن التفوق الراهن قد يتبخر مع اشتعال الجبهات العالمية.
ما نشهده اليوم هو إعادة صياغة شاملة لجغرافيا العالم العسكرية. الإعلام يبيع الذريعة ليخفي الهدف، ويغلف السيطرة على الجغرافيا السورية بشعارات مكافحة الإرهاب، كما يغطي إحكام القبضة على مفاصل القرار في أميركا اللاتينية وجنوب الجزيرة العربية بخطاب الاستقرار والديموقراطية. في جوهر المسألة، نحن أمام عملية لوجستية كبرى هدفها تأمين الوقود والممرات، وحرمان الخصوم، الصين وروسيا، من أي متنفس استراتيجي في لحظة الصدام.
علينا أن ندرك أننا لسنا أمام أحداث عشوائية أو أزمات منفصلة، بل أمام مخطط هندسي دقيق لإدارة الصراع العالمي القادم. فالحرب الكبرى لا تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل بتأمين الطريق التي ستسلكها الشاحنة التي تحملها، وتأمين الأنبوب الذي يغذي الطائرة بالوقود. هذا هو الضجيج الذي نسمعه اليوم في سوريا وفنزويلا وحضرموت وممرات البحار، لكن الإعلام لا يخبرك بهذه الحقيقة، لأنه جزء من آلة الكذب التي تمهد الطريق للدمار القادم.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية