فيروز في حضرة الغياب: الأمومة والإنسانيّة
الأب الدّكتور سميح رعد
ثمّة موتٌ لا يطرق أبواب العالم، ولا يطلب له مكانًا في سرديّاته الصّاخبة. موتٌ يمرّ كأنّه يهمس، لكنّ صداه يستقرّ طويلًا في القلب. رحيل هلي، ابن فيروز، من هٰذا القبيل: غيابٌ لا يقاس بما يخسره العالم، بل بما ينكسر في الدّاخل. إنّه غيابٌ يترك في القلب فراغًا حيًّا، فراغًا لا يبرد، لأنّ الحبّ فيه لا ينطفئ، بل يتعلّم أن يقيم في وجعه، حيث يصير الصّمت لغةً، والحنين شكلًا آخر للحضور.
أمس، لم تكن فيروز صوت أمّةٍ، ولا سفيرةً إلى النّجوم، ولا أيقونةً صلبةً لذاكرتنا الجماعيّة. كانت أمًّا، ببساطةٍ. أمٌّ أعيدت إلى صورتها الأنثويّة الأولى. دموعها، الّتي طالما كبتتها، لم تكن انهيارًا، بل دليلًا على حقيقةٍ عميقةٍ: رابطةٌ نسجت على مدى الحياة، بعيدةً عن الأضواء، في وفاءٍ صامتٍ متجذّرٍ في تفاصيل الأيّام.
لم يكن هلي ابنًا عاديًّا. كان حضورًا دائمًا، قربًا بلا مسافةٍ، رفيق كلّ لحظةٍ. صاغ أمّه بقدر ما صاغته ابنًا وفلذة كبدٍ. ومن خلاله، تعمّقت إنسانيّة فيروز، إنسانيّة الأمومة الّتي لا تصلها أيّ أسطورةٍ. علّمها الصّبر أكثر، علّمها اللّطف الأرقّ، والوعي الّذي لا يقاس إلّا بحدود الحياة كلّها.
جرت مراسم الوداع ببساطةٍ تكاد تدهش. زحام النّاس والشّوارع الهادئة كانت كرقّة المرأة فيروز، والمقاعد في الكنيسة لم يكن يزعجها الفراغ، لأنّ أمومة فيروز أدفأتها؛ فمن حضر حمل معه مظاهر الحبّ.
وا حبيبي، وا حبيبي… أيّ حالٍ أنت فيه… يا هلي… أنت الحبّ، أنت النّور، أنت الحياة…
كانت دموع فيروز تتحدّث من نفسها. كانت إعلانًا صامتًا عن عمق العلاقة. وجهها المبتلّ بالحزن كشف عن إنسانيّةٍ لا تستطيع الأسطورة أن تجسّدها. فراغٌ لا يملؤه سوى الذّاكرة… وما نفع الذّاكرة حين يرحل الحبّ مع رحيل الوجد الّذي كان بهلي؟!
من الآن فصاعدًا، ستسير فيروز في صمتٍ، حاملةً حبًّا صار حضورًا أقوى من الغياب.
نبض قلب هالي لفيروز كان لها كصوتها لنا، قهوة الصّباح… والآن أصبح صدًى.
وتظلّ الأمّ، حاضرةً رغم الغياب، حيّةً بكلّ الحبّ الّذي زرعه ابنها فيها. الأسطورة لم تتلاش. ظهرت البارحة بأنقى جمل المرأة الأمّ… درسٌ جديدٌ من دروس الحبّ.
إلى اللّقاء هلي… شكرًا فيروز.
نبض