انتحار "وستفاليا" على أسوار كراكاس: قراءة في فلسفة القوة العارية
إلياس عيسى إلياس
في الثالث من يناير/كانون الثاني 2026، لم تكن عملية اختراق قوات "دلتا فورس" لأسوار كراكاس مجرد مناورة عسكرية خاطفة؛ بل كانت طعنة نافذة في خاصر "السيادة" كما عرفها العالم منذ منتصف القرن السابع عشر. إن المشهد السريالي لنقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مكبلاً من قصره إلى ظهر البارجة "يوإس إس إيوا جيما"، يتجاوز أدبيات "تغيير الأنظمة" التقليدية. نحن أمام زلزال جيوسياسي يعلن رسمياً وفاة "نظام وستفاليا" وانبثاق عهد "الافتراس الاستراتيجي"، حيث تُستبدل الدبلوماسية بالسطوة، وتتحول الدولة الوطنية من كيان قانوني مصان إلى مجرد "منصة طاقة" ملحقة بالإرادة الإمبراطورية.

سيميولوجيا الإذلال: حين تُغتال الرمزية السيادية
لم يكن الغرض من عملية الاختطاف أمنياً بحتاً، بل كان "هندسة بصرية" مصممة بعناية لإنتاج صدمة نفسية عالمية. ففي اللحظة التي أُطفئت فيها أنوار كراكاس، كانت واشنطن تسدل الستار على حقبة "حصانة الرؤساء". إن صورة رئيس وعقيلته وهما يُساقان في جنح الظلام، معصوبي الأعين، تُمثل اغتيالاً رمزياً لمفهوم الدولة. هنا تكمن الخطورة: الخصم السياسي في العرف الأميركي الجديد لم يعد "نداً" يُواجه في ميادين التدافع الأيديولوجي، بل تحول إلى "طريدة جنائية"؛ وعبر جره إلى محكمة في مانهاتن بتهم "مكافحة المخدرات"، تخلط واشنطن بوعيٍ تام بين الصراع الجيوسياسي والجريمة المنظمة، لتجريد الدولة من قدسيتها.
المأزق الفلسفي: السيادة بين الحصار البيولوجي والواقعية الفجة
يطرح المشهد الفنزويلي تساؤلاً مريراً حول ماهية الشرعية في ظل "الخنق السيادي". نيكولاس مادورو، بوصفه الوريث العضوي لتجربة هوغو تشافيز، حاول تجسيد خطاب الممانعة لاستعادة الثروة الوطنية. لكن هذا الطموح اصطدم بصخرة واقعية مأزومة؛ حيث تحولت الشعارات القومية في ظل التضخم المفرط إلى درع أخلاقي يغطي تصدعات داخلية لا يمكن إغفالها. ومع ذلك، فإن اختزال الكارثة في "فشل النظام" هو تسطيح مخلّ. إننا أمام جريمة مكتملة الأركان؛ حيث مارست واشنطن عبر ترسانة العقوبات "حصاراً بيولوجياً" أهلك الحرث والنسل، ثم نصّبت نفسها حكماً يحاكم الضحية على ارتعاشها تحت المقصلة.
تهاوي العقد الاجتماعي العالمي: من القواعد إلى الإرادة المنفردة
في كراكاس، سُحقت الفلسفة القانونية التي حكمت العالم منذ عام 1648 تحت بساطير الجنود(الحذاء العسكري الثقيل (Combat Boots). نحن نشهد انزياحاً جذرياً من "عالم القواعد" (Rule-based order) إلى "عالم الإرادة المنفردة". تتبنى واشنطن اليوم فلسفة توماس هوبز في أكثر صورها فجاجة؛ حيث تغيب السلطة الدولية الكابحة، وتُختزل الشرعية في "القوة التي تصنع الحق". حين يُنتزع رئيس من مخدعه، يتوقف العقد الاجتماعي العالمي عن كونه ميثاقاً بين أنداد، ليتحول إلى "مدونة سلوك" تفرضها الأمبراطورية. لقد انتقلنا من مرحلة "الدول ذات السيادة" إلى مرحلة "الدول ذات السيادة المشروطة" برضا البيت الأبيض.
العدالة الانتقائية: "قانون الحليب" و"سيف الخصم"
تتجلى عورة النظام الدولي في التناقض الصارخ بين التعامل مع كراكاس والتعامل مع تل أبيب. فبينما يُساق قادة فنزويلا مكبلين بتهم جنائية، يُمنح بنيامين نتنياهو حصانة مطلقة ودعماً مفتوحاً رغم توثيق جرائم إبادة جماعية في غزة. هذه "العدالة الانتقامية" تفرغ القانون الدولي من محتواه الأخلاقي، وتحوله إلى ملحق أمني في الترسانة الأميركية؛ يُشهر كسيف على رقاب الخارجين عن "بيت الطاعة"، ويُغمد تماماً حين يرتكب الحليف أفظع الكبائر الإنسانية.
النفط كغنيمة: خصخصة السيادة الوطنية
فنزويلا ليست دولة فقيرة، بل هي "خزينة العالم" المنهوبة. وما جرى ليس "تحريراً" بل عملية "خصخصة قسرية" للثروة. الرئيس ترامب لم يوارِ أطماعه خلف الدبلوماسية، بل أعلنها صراحة: إطلاق يد الشركات الأميركية للسيطرة على شركة(PDVSA، وتحويلها من عمود فقري للدولة إلى مرفق تابع لوزارة الطاقة الأميركية. واشنطن اليوم لا تكتفي بإنتاج النفط، بل تريد "هندسة الأسواق"؛ بحيث تقرر هي وجهة الناقلات وسعر البرميل، لتأمين البدائل لضربات محتملة ضد إيران.
الخاتمة: نعيٌ لعالم كان يحكمه القانون
بينما تتردد أصداء نداءات المقاومة من قلب كراكاس المشلولة بالذهول، يبدو أن الكوكب فقد توازنه الأخلاقي. فنزويلا اليوم ليست ضحية نظام سياسي، بل هي ضحية "نظام غابوي"(شريعة الغاب) جديد يسمح للقطب الواحد بأن يكون الخصم والحكم والجلاد في آن واحد. لقد قُضي الأمر؛ ودخلنا حقبة "الوصاية الإمبراطورية" التي لا تعترف بالحدود، حيث تُدار الجغرافيا بعقلية الاستحواذ. من كراكاس، يُكتب اليوم نعيٌ طويل لعالم كان يطمح لأن تحكمه القوانين، ليستيقظ على حقيقة قاسية: أنه بات في عهدة القوة... والقوة وحدها.
نبض