الدولة كفعل حضاري: الفارابي ورفيق الحريري بين الفكرة والتطبيق
الخوري ريمون أبي تامر
ليست الدولة مجرد سلطة تُمارس، ولا خطاب يُلقى؛ هي فعل حضاري يربط الإنسان بمجتمعه وبمعناه للحياة. الفارابي صاغ هذا المفهوم فلسفياً في المدينة الفاضلة، معتبراً أن الغاية العليا للدولة هي السعادة: اكتمال الإنسان داخل جماعة منظمة بالعقل، حيث يتحوّل الفعل الفردي من بقاء عشوائي إلى حياة متكاملة. ورفيق الحريري، في لحظة ما بعد الحرب اللبنانية، جسّد هذه الفكرة عملياً من خلال الإعمار وسيلة لإعادة الإنسان إلى أفق الحياة الطبيعية، حيث أصبح المكان والاقتصاد والتعليم أدوات لإعادة الثقة بالزمن وإدخال المواطن في تجربة الدولة الحية. من هنا يبدأ الربط بين النظرية والتطبيق، بين الفلسفة والسياسة، بين الفكرة والفعل.

الفارابي: الدولة وسعادة الإنسان
بالنسبة للفارابي، الدولة ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة عقلية لتحقيق اكتمال الإنسان. المدينة الفاضلة ليست وصفاً لواقع، بل معيار يُقاس به الواقع. السياسة هي ترتيب للعلاقات، وتنظيم للحياة المشتركة، وتحويل للعنف والغرائز إلى تعاون. الدولة لا تُقاس بالقوانين فقط، بل بقدرتها على جعل الحياة الإنسانية ممكنة ومستقرة وممتدة نحو الاكتمال.
وفي هذا السياق، يظهر رفيق الحريري مثالاً حياً على كيفية تحويل هذه الفكرة النظرية إلى تجربة فعلية: إعادة بناء المدن، دعم التعليم، والانفتاح على الاقتصاد العالمي لم تكن أهدافاً تقنية فحسب، بل تجسيد عملي لفكرة الدولة كفعل يعيد الإنسان إلى دوره في المجتمع.
السياسة التطبيقية: العمران أداة فلسفية
تجربة الحريري تُظهر أن الدولة، حين تُمارس كفعل حضاري، تتحول إلى أداة لإعادة الإنسان إلى الاكتمال. العمران، التعليم، الاقتصاد ليست مشاريع منفصلة، بل أدوات فلسفية تعكس محاولة ربط المواطن بالمدينة، وربط الفرد بالزمن. السياسة هنا صامتة لكنها قوية: الفعل يسبق القول، والتجربة تختبر الفكرة، كما لو أن الدولة نفسها تصبح امتحاناً لفلسفة الفارابي.
حدود الممكن: نقد فلسفي وتطبيق واقعي
الفارابي يوضح أن الدولة كفعل حضاري لا تقتصر على التنظيم العقلي أو العمران وحده، بل تتطلب من الحاكم شجاعة التعامل مع القيود المفروضة على الممكن، من دون أن يفقد البعد الأخلاقي. السياسة، وفقاً له، ليست مجرد إدارة واقع مألوف، بل محاولة لتوسيع الأفق الإنساني ضمن حدود العقل والفضيلة، حتى عندما يواجه الحاكم قوى أكبر منه.
هنا يظهر رابط الحريري بالفارابي بوضوح: رفيق الحريري لم يكتفِ بمفهوم الإعمار وإعادة الحياة إلى لبنان بعد الحرب، بل واجه الوصايا الخارجية والسياقات الإقليمية المعقدة، ساعياً إلى استعادة السيادة وإعادة الدولة إلى أهلها. كان يرى في نفسه مسؤولية تطبيق الفكرة الفارابية عملياً: الدولة ليست مجرد عمران، بل أداة لإعادة الإنسان إلى موقعه في التاريخ والمجتمع.
قال الحريري جملته الشهيرة "ما حدا أكبر من بلده"، و يمكننا القول إنه قال في نفسه لا يمكن بناء المستقبل اذا لم نستعد السيادة.
لكن هذا الفعل، وفق منطق الفارابي، يحمل مخاطره: حين يختبر الحاكم حدود الممكن، قد يصطدم بالقوى التي تمنع تحقق الفكرة. فاغتيال الحريري في 14 شباط 2005 لم يكن نهاية المشروع الفكري، بل انقطاع الفعل السياسي قبل اكتماله، ما أدّى إلى انطلاق الشرارة لثورة الأرز وخروج جيش الأسد السوري، أي أن الفكرة كانت أقوى من الفرد الذي حملها، كما يشير الفارابي: الدولة كفعل حضاري تتجاوز الشخص، لكنها تحتاج حاملًا يجرؤ على اختبار الممكن ضمن الواقع.
الدولة بين الفكر والفعل
ما يجمع الفارابي ورفيق الحريري هو الرهان على العقل والفضيلة في زمن الانكسار. الأول صاغ أفقاً فلسفياً للمدينة الفاضلة، والثاني حاول اختباره ضمن سياق تاريخي معقد، متحدياً القيود المفروضة عليه. بين الفكر والفعل، يظهر أن الدولة ليست مجرد سلطة، بل أفق حضاري يختبر قدرة الإنسان على تجاوز القيود، وتحويل الممكن إلى تجربة حية.
...السؤال الذي يتركه هذا الرابط للفكر السياسي اللبناني والعالمي هل يكفي الفعل لتطبيق الفكرة، أم أنّ الفكرة تحتاج دوماً من يختبر حدود الممكن بحكمة وشجاعة.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض