"تحت شمس لا تحفظ الوجوه"

منبر 07-01-2026 | 11:20

"تحت شمس لا تحفظ الوجوه"

كان اسمه يُسبق بلقبٍ أثقل من جسده.حين يُذكَر، تقف الرؤوس دون أمر، وتُفتح الأبواب قبل أن يصل.كان يوقّع بيده فيسقط رجال، وتُفتح خزائن، وتُغلق أفواه.
"تحت شمس لا تحفظ الوجوه"
دخان متصاعد جراء الاستهداف الإسرائيلي لمطار صنعاء. (ا ف ب)
Smaller Bigger

محمد سعيد حميد - اليمن

 

 

 

كان اسمه يُسبق بلقبٍ أثقل من جسده.
حين يُذكَر، تقف الرؤوس دون أمر، وتُفتح الأبواب قبل أن يصل.
كان يوقّع بيده فيسقط رجال، وتُفتح خزائن، وتُغلق أفواه.
حدث كل ذلك قبل أن يُعتقل، وقبل أن يخرج من البلاد مكسور الاسم.
لم يكن يعرف عدد الذين خافوه، ففي أسفل السلم أيضاً، للخوف سلطته.
ثم دارت الأيام كما تدور الطاحونة على عظام الفقراء.
في صباحٍ مُغبر، وقف في طابورٍ طويل، يحمل ملفاً أزرق باهتاً، لا يشبه الملفات التي كانت تُرفع إليه ذات يوم.
الشمس فوقه بلا رحمة، والريح تجرّ الرمل إلى عينيه كأنها تعرفه.
كان الطابور يُعرَف بطابور المهزومين، بأجسادٍ متعبة.
تذكّر كيف كان يمرّ من الشارع محاطاً بالحرس، وكيف رمى ذات مرة ملفاً في وجه موظفٍ مرتجف، قائلاً:
"من لا يعجبه، فليشرب ماء البحر".
الآن، لم يجد ما يشربه أو يأكله، إلا مغموساً بالذل، ولا ظلًّا يحميه هجير الشمس.
حتى الجدار الذي استند إليه كان حاراً. 

حين انتصرت جماعته فجأة — كما تنتصر الصدفة في بلاد الحروب — عاد اسمه إلى الواجهة، لكن بوجهٍ آخر.
لم يعد الرجل الذي كان، بل ظلّه المسلّح بالحقد.
جلس على كرسيٍّ أعلى مما سبق، وأدار مصائر الناس كما تُدار رقعة شطرنج، بلا عاطفة، بلا تردد.
تذكّر الوجوه التي رمته يوماً في الشارع، فحوّلها إلى ملفات، والشارع إلى فخ.
قال لنفسه، وهو يوقّع أوامر الانتقام:
"العدل متأخر، لكن السوط لا ينسى".
غير أن الحرب — تلك العاهرة الوفية — لا تنسى مواعيدها.
عاد القصف، وانفرطت الرايات، وتكسّرت الشعارات على جثث الأطفال.
المدينة التي حكمها صارت حفرةً واسعة، والناس الذين أخافهم صاروا صوراً على جدرانٍ مهدّمة.
وفي طابورٍ جديد، أطول وأكثر صمتاً، وقف مرة أخرى، يبحث عن لقمة العيش.
لم يكن يحمل ملفاً هذه المرة.
فقط كيساً بلاستيكياً، ورائحة خبزٍ يابس، وذاكرة مثقلة.
حوله، كانت الأمهات يحملن صور أبنائهن، والرجال يحملون أعمارهم المكسورة، والأطفال يحملون نظراتٍ أكبر من سنهم.
كلهم ضحايا حربٍ لم تسألهم عن أسمائهم، ولا عن ذنوبهم.
نظر إلى الشمس، فبدت له هي نفسها:
لا تنتصر، ولا تُهزم.
تحرق الجميع بالعدل ذاته.
وفهم أخيراً — متأخراً كعادته — أن السلطة لم تكن قمة، بل فاصلاً قصيراً بين طابورين، وزمناً يعلو وزمناً يسحق.
وأن من يمارس الانتقام باسم القوة، سيذوق الذل باسم الجوع.
وأن الحروب لا تصنع منتصرين…
بل طوابير أطول من القتلى، والثكالى، والأرامل، والمعوقين.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
لبنان 1/7/2026 2:04:00 PM
فضل الله: رجي لا يميز بين انتمائه إلى المجلس الحربي، وكونه موظفاً في مجلس الوزراء