من نظام الأسد إلى أبو عمر... حين تُدار الأوطان بعقولٍ خاوية

منبر 07-01-2026 | 10:03

من نظام الأسد إلى أبو عمر... حين تُدار الأوطان بعقولٍ خاوية

بين رئيسِ نظامٍ تَبيَّن أنه أجوف، وشيخٍ مُلفَّقٍ خرج من قاع الاحتيال، تنكشف حقيقة السياسة اللبنانية: هشاشةٌ فاضحة، وخوفٌ مَرَضيّ، ونُخَبٌ لا تحكم لأنها قويّة، بل لأنها بلا كرامة.
من نظام الأسد إلى أبو عمر... حين تُدار الأوطان بعقولٍ خاوية
(تعبيرية (مواقع
Smaller Bigger

ريمي الحويّك 

 

 

بين رئيسِ نظامٍ تَبيَّن أنه أجوف، وشيخٍ مُلفَّقٍ خرج من قاع الاحتيال، تنكشف حقيقة السياسة اللبنانية: هشاشةٌ فاضحة، وخوفٌ مَرَضيّ، ونُخَبٌ لا تحكم لأنها قويّة، بل لأنها بلا كرامة.

لنقُلها بلا مواربة، نحن، في لبنان، منحنا الشرّ إداراتٍ كاملة! ما حكم لبنان يوماً نظامٌ ذكيّ، ولا أخضعته عبقرية سياسية، بل سيطر عليه فراغٌ أخلاقيّ، وجُبنٌ جماعيّ، ونُخبٌ ارتضت العبودية ثم تفاخرَت بذكائها.  
عقودٌ ونحن نُهوِّل لنظام الأسد، ننسج حوله أساطير الرعب، ونتعامل معه كقَدَرٍ تاريخيّ، وحين انكشف المشهد، لم نسقط من شدّة القمع، بل من شدّة التفاهة.
لم يكن الأسد قويّاً، نحن كنا ضعفاء.
لم يكن مرعباً، نحن كنّا جبناء.
لم يحكم لبنان لأنه عبقري، بل لأن من حكموا لبنان لم يكونوا رجال دولة، بل سماسرة خوف.
أيّ مهانةٍ أكبر من أن يُدار بلدٌ بالتلميح والتهديد، وبالرسائل الأمنية، وبصوتٍ أجشّ يخفي خواءه خلف العنف؟
ثم، حين سقط النظام، لم يبقَ إلا الحقيقة العارية: كُنّا نهابُ فأراً، كبّرناه في خيالنا، وألبسناه أنياباً، رئيسٌ محدود الفكر، خطابه أقرب إلى هذيان، ومنطقه لا يصمد أمام طالبٍ لبناني في أول عام دراسي! ولمّا هرب، ترك لنا تسجيلات تُثبت أن الرّعب كان في رؤوسنا لا فيه. لم يكن الأسد قدَراً تاريخياً، بل امتحاناً… رسبنا فيه.

وكأن هذا لا يكفي، ظهر أبو عمر، لا كاستثناء، بل كاستكمال للمشهد، نموذجٌ أكثر فجاجة، وأقلّ ذكاء، وأوضح فضيحة. شيخٌ مُلفَّق، انتحل الدين، وتاجر بالإيمان، وسرق سياسيين كانوا يدّعون السيادة. لم يُغوِهم علمٌ، ولا رؤية، ولا مشروع، أغواهم الطمع واللهاث المرضي خلف الكرسي. هنا لا يعود الاحتيال استثناءً، بل يصبح مرآة، فحين يُخدع السياسي بسهولة، فهو لا يُخدع، هو يكشف نفسه.

في لبنان، لا أزمة قيادة، ولا نقص خبرات، ولا مؤامرة كونيّة. الأزمة أعمق وأسوأ، نظامٌ يُكافئ الرداءة، ويُقصي الكفاءة، ويفتح أبواب الدولة لكل من يجيد الكذب ويتقن تمثيل الهيبة.
السياسة صارت مهنة بلا شرف، والدين أداة بلا قداسة، والسياديّون مجرّد خطباء يرتجفون عند أول تهديد.
لسنا ضحايا أنظمة فقط، نحن ضحايا قبولنا بأن يحكمنا التافهون، وأن يقودنا الجبناء، وأن نُسمّي الانبطاح حكمة.
لم يسقط القناع، لأنه لم يكن موجوداً أصلاً، كانت الوجوه عارية، والعقول فارغة، والبلد يُساق من وهمٍ إلى وهم، باسم الواقعية، وبذريعة الخوف.

كان لبنان فكرةً تُناقَش في الجامعات، لا ملفّاً أمنيّاً يُدار بالتهديد. 
كان صوتاً يُسمَع، لا صدىً مرتجفاً.
كان العقل اللبناني مبادِراً، ناقداً، حرّاً، لا تابعاً ولا مرتشياً.
أيّ سقوطٍ هذا؟ 
من رجالٍ كتبوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى ساسةٍ لا يُتقنون صياغة بيانٍ بلا أخطاء؟
من عقولٍ صنعت حضور لبنان في عبق التاريخ الأبيض، إلى وجوهٍ تساوم على البلد في غرفٍ مظلمة، وتبيع السيادة مقعداً بعد مقعد؟

لم يُهزم لبنان أمام أنظمة، بل أمام الفراغ الذي سمحنا له أن يسكن عقولنا.
لم يُدر يوماً بذكاء أعدائه، بل بكسل أبنائه. 
لم يُخنق بالقوة، بل بالقبول.
لم يُقمع بالسلاح، بل بالتبرير. 

هذا البلد يستحق رجال دولة، فحصل على سماسرة.
يستحق قدّيسين في السياسة، فحصل على مهرّجين يتقنون رفع الصوت لا رفع الوطن. 

أين إرث شارل مالك؟ ذلك العقل الذي قرأ العالم بعيون لبنان وكتب للفلسفة لغةً لا تعرف الانحناء؟ 
أين فكر جبران خليل جبران، الذي حوّل الحروف إلى أجنحة، وعلّمنا أن الحرية تبدأ في الداخل قبل أن تُعطى من الخارج؟ 
أين تلك العقول التي جلست إلى موائد الفلسفة العالمية لا لتستجدي اعترافاً، بل لتصوغ معنى الكرامة والحرية، معنى الإنسان، ومعنى لبنان؟

هذا وطن لم يُغتَل برصاصة، بل بقبلة يهوذا، وصياح ديك، وثلاثين من الفضة.

المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
لبنان 1/7/2026 2:04:00 PM
فضل الله: رجي لا يميز بين انتمائه إلى المجلس الحربي، وكونه موظفاً في مجلس الوزراء