على هامان يا فرعون!؟

منبر 05-01-2026 | 12:49

على هامان يا فرعون!؟

تتحول بعض القصص إلى أمثال خالدة، لا لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها تتكرر بأشكال مختلفة في كل زمان. 
على هامان يا فرعون!؟
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

عبد الله حمشو


 

تتحول بعض القصص إلى أمثال خالدة، لا لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها تتكرر بأشكال مختلفة في كل زمان. ومن هذه القصص ما يُروى عن فرعون الذي ادّعى الألوهية والقدرة على الإحياء والإماتة، فوقع في مأزق بسيط حين طُلب منه ما يثبت ادعاءه، فأنقذه مستشاره بحيلة سرعان ما تحولت إلى غطاء لوهم كبير. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عبارة «على هامان يا فرعون!؟» تعبيرًا عن ظاهرة إنسانية متجددة: الادعاء بلا إنجاز، والتفاخر بما لم يتحقق. فمستشاره هامان كان أعلم الناس بكذب ادعائه.
في الواقع المعاصر، لم يعد الادعاء حكرًا على الطغاة أو الشخصيات التاريخية، بل أصبح سلوكًا شائعًا في السياسة والإعلام وحتى في الفضاء الرقمي. تُنسب النجاحات إلى من لم يصنعوها، وتُعلَّق الإخفاقات على شماعات الآخرين، بينما يتصدر المشهد من يتقن الخطاب أكثر ممن يُحسن العمل. وتحت سطوة الصورة والكلمة والشعار، تُصنَع إنجازات وهمية يُطلب من الناس تصديقها، بل والتصفيق لها.

ولا يختلف هذا السلوك كثيرًا عما نُسب إلى قارون، الذي أرجع ثروته إلى "علمه" متناسيًا عوامل التمكين والظروف والتوفيق. واليوم، يتكرر المنطق ذاته حين يُختزل النجاح في الذكاء الفردي أو "الاستحقاق الشخصي"، مع تجاهل منظومات كاملة من الامتيازات، والدعم، والفرص غير المتكافئة. فيتحول التفوق من مسؤولية أخلاقية إلى أداة تعالٍ، ومن نعمة إلى وسيلة إقصاء.
وتبرز هنا إشكالية عميقة في الثقافة المعاصرة، حيث يُروَّج لفكرة "صناعة الذات" بمعزل عن أي سياق قيمي أو إنساني. فالعمل والسعي مطلوبان، بل لا غنى عنهما، غير أن فصلهما عن التواضع والاعتراف بالحدود يحوّل الإنجاز إلى صنم جديد. وقد جسّد التراث الإسلامي هذا التوازن بدقة حين جمع بين الأخذ بالأسباب والتسليم بالنتائج، لا بوصفه تناقضًا، بل تكاملًا يحفظ الإنسان من الغرور كما يحفظه من العجز.
ومن زاوية أخرى، تكشف قصة فرعون نهاية طبيعية لكل ادعاء متضخم. فالأوهام، مهما طال عمرها، لا تدوم. وقد تستمر الأكاذيب عقودًا أو قرونًا حين تجد من يحميها أو يروّج لها، كما حدث في تجارب تاريخية وفكرية كثيرة، لكن نهايتها غالبًا ما تكون واحدة: انكشافًا مفاجئًا، وسقوطًا مدوِّيًا، واعترافًا متأخرًا لا يغيّر شيئًا. فالقِصر الحقيقي للكذب لا يُقاس بالزمن، بل بسرعة انقضاء نشوته ولو استمرت مئات السنين.
وفي زمن تضخيم الذات، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين، وحجم الظهور، وقوة الخطاب، تزداد الحاجة إلى إعادة التمييز بين المفاهيم. فالثقة بالنفس ضرورة للنجاح، لكنها حين تنفصل عن النقد الذاتي تتحول إلى غرور. والتواضع قيمة إنسانية راقية، لكنه إذا فُهم على أنه إلغاء للذات أصبح عائقًا لا فضيلة. وبين هذه الحدود الدقيقة، تتحدد أخلاق الإنجاز الحقيقي.
وخلاصة الأمر أن أخطر ما في الادعاء ليس زيفه، بل قدرته على الإغواء. فحلاوة الوهم قد تنسي الإنسان حقيقته، وتدفعه إلى تصديق صورة مصطنعة عن نفسه، إلى أن يأتي وقــــتٌ لا ينفع فيه التبرير ولا الاستعانة بـ "هامان" جديد. وعندها، لا يبقى من الادعاء سوى ســـــؤال متأخر: كيف تحوّل الكلام إلى بديل عن الفعل، والوهم إلى حقيقة؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني