الشوق الإلهي في سيرة جلال الدين الرومي
بقلم د. نضال العنداري
لم يكن الشوق عند جلال الدين الرومي حالةً عابرة من حالات الوجد، ولا انفعالًا عاطفيًا يمرّ بالروح كما تمرّ الغيوم في سماء القلب، بل كان جوهر الوجود نفسه، والنبض الخفي الذي به تحيا الأرواح وتتحرك نحو أصلها. لقد وُلد الرومي وفي داخله نداء قديم، أسبق من اللغة وأعمق من الفكر، نداء لا يُسمع بالأذن بل يُدرك بالانكسار، ولا يُفهم بالعقل بل بالاحتراق. ذلك النداء هو الشوق، الشوق الذي لا يطلب شيئًا سوى العودة، ولا يعرف سكونًا إلا في الفناء.
لم يكن الرومي يبحث عن الله بوصفه فكرة، ولا يتتبّع أثره كمتصوّفٍ نظريّ، بل كان الله عنده حضورًا حارقًا، يلاحقه في صمته وكلامه، في نومه ويقظته، في وحدته وبين الناس. كان يشعر أن الروح قد نُفيت من موطنها الأول، وأن كل لحظة في هذه الحياة ليست إلا محاولة للرجوع، لا رجوع المكان، بل رجوع المعنى إلى أصله. لذلك كان يقول، بمعناه لا بحرفه، إن الإنسان ليس غريبًا عن الحق، بل منسيٌّ عنه، وإن الشوق هو ذاكرة الروح حين تبدأ في التذكّر.

نشأ الرومي في بيئة علم وفقه، وتشرّب منذ صغره علوم الشريعة واللغة والمنطق، لكنه ما لبث أن أدرك أن المعرفة إذا لم تتحوّل إلى نارٍ تحرق الحجاب، تبقى معرفةً ناقصة. فالعقل عنده طريق، لكنه ليس الغاية، والعلم جسر، لكنه لا يُغني عن العبور. كان يبحث عمّا وراء الحروف، عمّا بين السطور، عمّا لا يُقال بل يُعاش. ومن هنا بدأ تحوّله الحقيقي: من عالم البيان إلى عالم العيان، من الفهم إلى الذوق، ومن الإيمان الموروث إلى الإيمان المُشاهَد.
وجاء شمس التبريزي، لا كشخص عابر في سيرة الرومي، بل كزلزال روحي أعاد ترتيب كيانه من الداخل. لم يكن شمس معلمًا بقدر ما كان مرآة، ولم يكن شيخًا بقدر ما كان شرارة. في حضرته انكشف للرومي معنى الشوق على حقيقته: أن تُحرق لتُرى، وأن تُفقد لتُوجد، وأن تموت عن نفسك لتولد في الحق. لقد كُسر الرومي يومها، لكن كسره كان فتحًا، وانكساره كان ولادة جديدة. ومن تلك الكسرة تدفقت أنهار الشعر، واندلع لهيب العشق الإلهي الذي لم يخمد حتى آخر أنفاسه.
لم يكن الشوق عند الرومي حزنًا على الغياب، بل شوقًا إلى اكتمال الحضور. ولذلك لم يتغنَّ بالفراق بوصفه مأساة، بل بوصفه معبرًا. فالفراق، في نظره، هو اللغة التي يتكلم بها العشق حين يريد أن يربّي القلب على الصبر والاتساع. وكلما اشتدّ الفراق، ازداد الشوق صفاءً، حتى يصير القلب مرآة لا تعكس سوى وجه المحبوب. وهنا، يبلغ السالك مقامًا عجيبًا: لا يعود يسأل عن اللقاء، لأنه صار هو اللقاء ذاته.
وفي دوّامة السماع، حيث الجسد يدور والروح تعلو، كان الرومي يترجم الشوق حركةً كونية. لم يكن الدوران هروبًا من الأرض، بل انغماسًا أعمق في معناها، ولم يكن الرقص انفعالًا جسديًا، بل صلاةً بلا كلمات. في تلك الدوائر المشتعلة، كانت الذات تذوب، ويغيب الاسم، وتسقط الحدود، فلا يبقى إلا حضرة واحدة، يتجلّى فيها الحق كما يتجلّى النور في الزجاج الصافي.
هكذا يصبح الشوق عند الرومي منهج حياة، لا حالة وجدانية مؤقتة. شوقٌ يُربّي، يُطهّر، يُهذّب، ويقود الإنسان إلى أن يرى الله في كل شيء، بل أن يرى كل شيء بالله. شوقٌ لا يطلب الراحة، لأن الراحة حجاب، ولا يطلب الوصول، لأن الوصول نهاية، وهو ابن الطريق الذي لا ينتهي.
وفي نهاية المطاف، لم يكن الرومي يدعونا إلى أن نحبه، ولا أن نقلّده، بل أن نختبر ما اختبره، أن نصغي إلى النداء الخفي في أعماقنا، وأن نثق بأن في داخل كل إنسان نارًا إلهية تنتظر من ينفخ فيها. فالشوق، كما رآه الرومي، ليس اختيارًا، بل قدرٌ جميل، من دخله خرج من ضيق الأنا إلى سعة المعنى، ومن ظلمة الذات إلى نور الحق.
وهكذا يبقى الرومي شاهدًا على أن أعظم الرحلات ليست تلك التي تقطع المسافات، بل تلك التي تقطع الحجب. وأن الشوق، حين يُعاش بصدق، يصبح الطريق، والرفيق، والوصول في آنٍ واحد.
نبض