إعادة صياغة النظام الدولي: فنزويلا وسوريا ومنطق الرعونة
أكرم بزي
يشكّل إسقاط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وأسره نقطة انعطاف خطيرة في بنية النظام الدولي المعاصر، ليس بوصفه تطوراً سياسياً معزولاً، بل كسابقة فاضحة تكشف مستوى غير مسبوق من الرعونة الأميركية في إدارة الهيمنة. ما جرى يتجاوز أدوات الضغط التقليدية، كالعقوبات والحصار والاحتواء السياسي، لينتقل مباشرة إلى كسر مبدأ الحصانة السيادية، وتحويل رئيس دولة إلى ورقة تفاوضية قابلة للأسر والنقل والمحاكمة خارج أي إطار قانوني دولي معترف به.
بهذا المعنى، لا يمكن توصيف العملية إلا باعتبارها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ورسالة ردع موجهة إلى العالم بأسره، مفادها أن السيادة لم تعد خطاً أحمر، وأن رأس الدولة ذاته بات هدفاً مشروعاً إذا خرج عن منظومة المصالح الكبرى.

تكمن خطورة هذه الخطوة في رمزيتها وليس في نتائجها المباشرة فقط. فالولايات المتحدة، عبر هذه العملية، لم تسع إلى تسوية أزمة مع فنزويلا، بل إلى تدشين نموذج جديد من السيطرة العارية، يقوم على نزع الشرعية قبل نزع السلطة، وكسر الدولة من قمتها الرمزية. هذا السلوك لا يعكس ثقة استراتيجية بقدر ما يعكس اندفاعاً غير محسوب، يهدد بتفكيك ما تبقى من منظومة القانون الدولي، ويفتح الباب أمام فوضى سيادية شاملة، بحيث يصبح كل نظام خارج شبكات المصالح الكبرى عرضة للاستهداف المباشر.
في هذا الإطار، لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. العالم يشهد نهاية مرحلة طويلة من إدارة الفوضى، تلك التي بُنيت على أزمات مضبوطة وخطابات إنسانية وظيفية استُخدمت لتغطية سياسات الهيمنة. التدخل الروسي في أوكرانيا، بالتزامن مع التحولات البنيوية داخل الولايات المتحدة، شكّل لحظة إعلان واضحة عن انتهاء صلاحية هذا النموذج، والانتقال إلى مرحلة أكثر خشونة، تُدار فيها الصراعات بلغة المصالح المباشرة والجغرافيا الصلبة.
ضمن هذا المسار، يبرز إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا كحلقة مترابطة لا كحدث منفصل. سقوط النظام لم يكن تحولاً داخلياً صرفاً، بل قرار دولي برفع الغطاء عن منظومة استُهلك دورها الوظيفي في إدارة توازنات هشّة داخل جغرافيا متفجرة.
كما في حالة مادورو، لم يكن الهدف مجرد تغيير سياسي، بل تفكيك فكرة الدولة الوظيفية القديمة، وإعادة إدماج الجغرافيا ضمن نظام جديد تحكمه الممرات وسلاسل الإمداد وحسابات الجدوى الاقتصادية.
تكتسب سوريا، في هذا السياق، أهمية مركزية بوصفها عقدة ربط جغرافية في مشاريع الممرات الإقليمية، من الطاقة إلى النقل، ومن المعابر البرية إلى شبكات التجارة العابرة. في منطق الاقتصاد السياسي الجديد، لم تعد الفوضى قابلة للاستدامة، ولم يعد تعطيل الجغرافيا خياراً مخفوض التكلفة. الاستقرار بات وظيفة مطلوبة بقدر ما هو قرار سيادي، والدول تُقاس بأدوارها اللوجستية لا بخطاباتها الأيديولوجية.
المسار نفسه ينطبق على فنزويلا، التي أدت لسنوات دور عقدة مالية رمادية خارج النظام، تُدار عبرها شبكات تدفقات غير معلنة. ومع بلوغ هذا الدور سقف الاستنزاف، جاء إسقاط مادورو إعلاناً عن إغلاق الملف، ليس بوصفه نصراً للديموقراطية، بل كجزء من إعادة توزيع النفوذ ضمن نظام عالمي جديد. الضجيج الإعلامي والخطاب الحقوقي ليسا سوى أدوات إخراج، فيما تُدار التسويات الحقيقية خلف الأبواب المغلقة بلغة الأرقام والمصالح.
الخطورة الأبعد لهذا المسار تكمن في قابلية تعميمه. فإذا مرّ أسر رئيس دولة من دون تكلفة استراتيجية حقيقية، فإن النظام الدولي يكون قد دخل مرحلة جديدة، تنتقل فيها العلاقة بين القوى الكبرى وبقية الدول من منطق التوازن النسبي إلى منطق السيطرة الفجّة. في هذا العالم، تصبح كل دولة غير مندمجة بشبكات الممرات وسلاسل الإمداد، أو غير قادرة على حماية موقعها الوظيفي، مرشحة لأن تتحول إلى حالة فنزويلا جديدة.
هذا التحول لا يهدد الأنظمة وحدها، بل يطاول الشعوب مباشرة. حين تُكسر الحصانة السيادية، وتُختزل الدول إلى ملفات أمنية واقتصادية، يصبح المواطن هو الخاسر الأول. تُفرض النماذج الاقتصادية، وتُدار الموارد، وتُعاد صياغة الخرائط، من دون أي اعتبار لإرادة المجتمعات أو خصوصياتها التاريخية.
في المحصلة، فإن إسقاط مادورو، وربطه بإسقاط نظام بشار الأسد، ليسا حدثين منفصلين، بل فصلين في عملية إعادة صياغة شاملة للنظام الدولي، حيث تُدار السياسة بمنطق الجغرافيا الصلبة والمصالح الباردة، وتُفرض الوقائع خارج أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية.
نبض