عدنان مروة دخل السياسية بالرداء الأبيض وغادرها تحت ضغط القصف الأسود
نبيل المقدم
في بلدة جباع الجنوبية الواقعة في قضاء النبطية، والتي يفوق عدد ينابيعها عدد أيام السنة ولد عدنان مروة عام 1936.
كان حلمه منذ الصغر أن يصبح طبيباً. وكان يتخيل تفسه دائماَ مرتدياً رداء الطب الأبيض، ومعلقاً السماعة الطبية على صدره.
مدرسته الأولى كانت مدرسة القرية، والتي نال منها الشهادة الابتدائية، وانتقل بعدها إلى مدرسة المقاصد في صيدا، ثم الى مدرسة الاميركان التي كانت نقطة التقاء الطلاب الجنوبيين الراغبين بمتابعة دراستهم في الجامعة الاميركية في بيروت.
بعد نيله شهادة الطب سافر إلى الولايات المتحدة، حيث تخصص في الطب النسائي. لم يكن سهلاً عليه هناك تقبل الدعاية الصهيونية، والتي كانت تسيطر على عقول الأميركيين في صراعهم مع العرب، وتجعلهم مؤيدين لها في إحتلال فلسطين. فكان أن قام مع زملاء له بتنظيم نشاطات فكرية وسياسية عدة لشرح الحقيقة للرأي العام الاميركي.
بعد عودته إلى بيروت. أستقر طبيباً في مستشفى الجامعة الاميركية وأستاذاً في كلية الطب، حيث لمع أسمه كأحد أمهر الاختصاصيين في مجال الطب والجراحة النسائية. كما كان له
عدد كبير من الأبحاث العلمية المهمة في هذا المجال.
في عام 1969 كان عدنان مروة من أبرز الاسماء التي ساهمت في تأسيس "جمعية الاسرة" التي ترأس جهازها الاداري حتى بداية الحرب الأهلية عام 1975.
لم يغادر عدنان مروة لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، رغم العروض المغرية التي قُدمت إليه من مستشفيات كبرى في العالم العربي. كانت أصعب اللحظات بالنسبة إليه في تلك الحقبة السوداء وصول نساء حوامل إلى المستشفى نخر الرصاص والشظايا أجسادهن، وأصبحن في موت سريري، فيما اللحظات الباقية لإنقاذ الأجنّة ضئيلة وحاسمة.
بعد انتخاب الشيخ أمين الجميل رئيساً للجمهورية، كُلف الرئيس شفيق الوزان تشكيل حكومة العهد الأولى. وكان عدنان مروة من أبرز الاسماء المطروحة للتوزير عن الطائفة الشيعية. هذا الاقتراح عارضه أحد القريبين من الرئيس الجميل، بذريعة أن عدنان مروة دائم الانتقاد لحزب الكتائب. يومها اتصل الرئيس المكلف بالرئيس الجميل وقال له: "إن كل قاطني بيروت الغربية ضد حزب الكتائب يا فخامة الرئيس". لم يُعلق الرئيس الجميل، وعُين عدنان مروة وزيراً للصحة والعمل والشؤون الاجتماعية. وكان أصعب المواقف بالنسبة إليه أضطراره الى عبور الحاجز الاسرائيلي في غاليري سمعان في طريقة إلى بعبدا لحضور جلسات مجلس الوزراء.
مع بداية عملها، واجهت الحكومة صعوبات جمة وتحديات مصيرية، وكان أبرزها اتفاق السابع عشر من أيار الذي أقرته تحت ضعط الظروف التي أفرزها الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. وكان الرئيس الجميل يردد دائماً: "الله يسامحه يلي كان السبب". وكان الوزراء يفهمون من هو المقصود من دون أن يعلقوا على كلام الرئيس.
لم يجد الاتفاق معارضة في مجلس الوزراء وجرى أقراره. ويعود ذلك إلى إقتناع لدى رئيس الجمهورية بأن الأوضاع الاقليمية والدولية تسمح بمرور الاتفاق، كما أن وزير الخارجية إيلي سالم حمل أكثر من مرة إشارات من دمشق تشير إلى أن ليست لديها معارضة جوهرية للاتفاق. جاء الرفض من الاتحاد السوفياتي الذي قرر إسقاط الاتفاق، إثر خلاف مع الولايات المتحدة على عدد من القضايا الاستراتيجية في الشرق الاوسط.
مع بروز المعارضة السوفياتية، انقلب المشهد السوري وتحولت دمشق إلى رافض شرس للاتفاق، مع حلفائها في لبنان. وبنتيجة ذلك أضطرب الوضع السياسي واهتز معه حبل الأمن في بيروت الغربية والضاحية الجنوبية، واندلعت معارك بين الجيش اللبناني ومعارضي الاتفاق من الأحزاب اليسارية وحركة "أمل" تعرضت في خلالها الضاحية لقصف مدفعي مدمر. كان المشهد أكبر من أن يتحمله ضمير مسؤول. ورداَ على هذه المجزرة، قدم الوزيران عدنان مروة وبهاء البساط استقالتيهما من الحكومة احتجاجاً.
وعلى رغم صعوبة المرحلة، فإنها لم تخل من انجازات قام بها الوزير مروة، وأهمها مشروع الرعاية الصحية الأولية الذي يقسم لبنان إلى مناطق صحية أولية تسهر على العناية بالمريض قبل إحالته على المستشفى عند الحاجة.
عاش عدنان مروة في تلك المرحلة من الأحداث تفاصيل مسلسل خطف الأجانب في بيروت الغربية، ووجد نفسه في قلب الحدث من دون سابق إنذار.
القصة بدأت مع خطف مدير مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت جاكسون، الأميركي الجنسية، وكانت تربطه علاقة به صداقة. وبعد أن أصبح في عداد الرهائن، لم يجد الأميركي المخطوف سبيلاً للتواصل مع عائلته إلا بواسطة صديقه الدكتور مروة، الذي كان يستقبل في عيادته شاباً في حوالى العشرين من العمر يتكلم الانكليزية بطلاقة، ولايخفي وجهه قط، وكان يقوم بتسليمه رسأئل من مدير المستشفى المخطوف، فبنقلها بدوره إلى عائلته.

مع أزدياد عدد المخطوفين الأجانب في بيروت، ومعظمهم من الاميركيين، تدخل عدد من الوسطاء لإطلاقهم، وكان بينهم القس البريطاني تيري وايت الذي حضر إلى بيروت للاجتماع بالخاطفين. وبعد مشاورات عدة طلب تيري وايت من عدنان مروة أن تكون عيادته في رأس بيروت مكاناً للاجتماعات. وافق مروة على هذا الطلب وكان يغادر العيادة قبل وصول المجتمعين تاركاً أبوابها مفتوحة.
في البداية سارت الامور بشكل ايجابي، ولكنها ما لبثت أن تعقدت بعد دخول الجنرال الاميركي أوليفر نورث على الخط، والذي كان تابعاُ لمكتب الامن القومي في البيت الابيض، وهو حاول أن يعرف من تيري وايت مكان احتجاز المخطوفين، بغية تحريرهم بعملية عسكرية. فكانت ردة فعل الخاطفين انهم استدرجوا تيري وايت إلى اجتماع في عيادة مروة، واقدموا على احتجازه بعد أن اوهموه بأنهم سيصحبونه للقاء الرهائن.
وبعد أن تأكد خبر خطف تيري وايت، حاول عدنان مروة التحرك لإنقاذه، وقام باتصالات عدة في هذا المجال، ولكنه ما لبث أن توقف بعد أن ابلغه العميد غازي كنعان "أن الخاطفين هم مجموعة من المرتزقة يتحركون بأوامر جهات خارجية بيدها الحل والربط".
توفي الدكتور عدنان مروة في كانون اولديسمبر الماضي.
نبض