سقوط أقنعة الردع: فنزويلا واختبار "النمر الورقي" في موازين القوى العالمية
شربل ساسين
في الثالث من كانون الثاني 2026، وجد النظام الدولي نفسه أمام لحظة كاشفة تتجاوز بأبعادها الجغرافية والسياسية حدود القارة اللاتينية لتطاول جوهر موازين القوى العالمية. إن إقدام الولايات المتحدة في هذا التاريخ المفترض على تقويض السيادة الفنزويلية، عبر التدخل العسكري المباشر واحتجاز رأس الهرم السياسي، لا يمثل مجرد عملية لتغيير نظام محلي فحسب، بل هو اختبار وجودي لمفهوم القوى الصاعدة وقدرة تكتل "بريكس" (BRICS) على إثبات فاعليته كقطب دولي موازٍ.
هذا المشهد، الذي نضعه في إطار تحليل "الصدقية الجيوسياسية"، يكشف عن تحول جذري في استراتيجيات القوة، بحيث لم تعد المواجهة تقتصر على الأدوات الديبلوماسية، بل انتقلت إلى حافة الصدام المباشر الذي يضع شعارات "التعددية القطبية" تحت مقصلة الواقع.

لقد اعتمدت الإدارة الأميركية في هذا المسار استراتيجية صارمة أطلقت عليها المصادر "شرعنة التدخل"؛ إذ عمدت واشنطن إلى تحويل ملف تجارة "الفنتانيل" من مجرد قضية جنائية دولية إلى "تهديد صارخ للأمن القومي" يستوجب تحركاً عسكرياً فورياً. ومن منظور تحليلي معمق، يظهر أن هذا المسوغ القانوني والأمني ليس في جوهره إلا غطاءً جيوسياسياً يهدف بالدرجة الأولى إلى تصفية النفوذ الشرقي المتنامي في كاراكاس، واقتلاع جذور المصالح الاستراتيجية لكل من بكين وموسكو في المنطقة. فالصين، التي تُعد المستثمر الأكبر والضامن المالي الأول للنظام الفنزويلي، تجد اليوم كل ثقلها الاقتصادي وتعهداتها المالية تحت رحمة الأحادية القطبية المتجددة، وهي اللحظة التي وضعت فيها مصالح التنين الصيني تحت "المقصلة".
هذا يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما يُعرف بـ"صدقية التهديد" (Credibility of Threat) لدى القوى الصاعدة. فإذا استطاعت واشنطن بالفعل فرض إرادتها بالقوة، واستبدال القيادة الحالية بوجوه موالية لها (مثل السيدة ماتشادو) من دون أن تواجه ردعاً حقيقياً وملموساً، فإن ذلك سيفضي إلى جملة من الحقائق القاسية التي ستغير وجه التاريخ. أولى هذه الحقائق هي انكشاف القوة الصينية؛ إذ سيتضح للعالم أن الصعود الاقتصادي المذهل لبكين لم ينجح بعد في التحول إلى "قوة صلبة" قادرة على حماية حلفائها أو فرض توازن حقيقي في القوى. أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في تآكل الردع الروسي؛ بحيث سيعزز الفشل في تثبيت "خطوط حمراء" في فنزويلا الانطباع السائد أن قدرات موسكو العملياتية تظل حبيسة محيطها الجغرافي الحيوي، وهي أقل بكثير من مستوى المواجهة المباشرة مع واشنطن في مناطق النفوذ البعيدة.
في قلب هذه المعمعة، تبرز فنزويلا اليوم حجر الزاوية في تقييم فعالية تكتل "بريكس" ككيان سياسي واقتصادي عالمي. فالتكتل الذي يضم قوى صاعدة مثل البرازيل، والهند، وإيران، يجد نفسه أمام مفترق طرق: فإما التحرك لحماية سيادة دولة حليفة، وإما الاكتفاء بدور المتفرج. وإذا ما اختارت هذه القوى الصمت أو العجز، فإن مفهوم "التعددية القطبية" سيهوي ليصبح مجرد شعار ديبلوماسي أجوف يفتقر الى الأنياب الفعلية. إن هذا العجز في لحظة مفصلية من عام 2026 سيجعل من صفة "النمر الورقي" وصمة تلازم التكتل، مما قد يدفع العديد من الدول النامية في الجنوب العالمي إلى إعادة النظر في جدوى المراهنة على أقطاب لا تملك الإرادة السياسية أو القدرة العسكرية لمواجهة الهيمنة المنفردة.
إن ما يحدث في هذا السيناريو هو عملية "إعادة ضبط" شاملة للنظام الدولي. غياب الردع الفعال سيبعث برسالة واضحة وصريحة مفادها أن العالم لا يزال، رغم كل الخطابات المتفائلة، محكوماً بإرادة القوة الواحدة التي تملك الجرأة على تجاوز الحدود الدولية. بالنسبة للمنطقة العربية ولبنان على وجه الخصوص، الدرس المستفاد من هذه التجربة الفنزويلية يتجاوز مجرد مراقبة الأحداث؛ هو تذكير بأن الشرعية الدولية والتحالفات الكبرى تظل دوماً رهينة توازن الرعب". الدول التي لا تمتلك عناصر ردع حقيقية تحمي كيانها، ستظل دوماً مجرد ساحة مفتوحة لتجارب القوى العظمى ومشاريع تغيير الأنظمة التي تُحاك في مراكز القرار الدولي.
في الختام، يبدو أن عام 2026 سيحدد ما إذا كانت التعددية القطبية حقيقة واقعة أم مجرد سراب سياسي، بحيث تكون فنزويلا لا المختبر الأول ولا الأخير لمدى قدرة الشرق على مواجهة الغرب.
نبض