بين الذبذبات والقداسة: حين يتحوّل التنجيم إلى تشويش وطني وروحي

منبر 05-01-2026 | 09:45

بين الذبذبات والقداسة: حين يتحوّل التنجيم إلى تشويش وطني وروحي

في إحدى إطلالات من يدّعون التنبؤ بالمستقبل ليلة رأس السنة، قُدِّمت سلسلة من “التوقّعات” تجاوزت حدود التحليل أو الرمز، لتدخل في مساحة إشكالية تجمع بين الخيال العلمي، والخطاب الغيبي، واستدعاء الرموز الدينية في قضايا سياسية ووطنية حسّاسة.
بين الذبذبات والقداسة: حين يتحوّل التنجيم إلى تشويش وطني وروحي
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

الاب فادي سميا 

 

 

في إحدى إطلالات من يدّعون التنبؤ بالمستقبل ليلة رأس السنة، قُدِّمت سلسلة من “التوقّعات” تجاوزت حدود التحليل أو الرمز، لتدخل في مساحة إشكالية تجمع بين الخيال العلمي، والخطاب الغيبي، واستدعاء الرموز الدينية في قضايا سياسية ووطنية حسّاسة.
هذا النوع من الكلام لا يمكن المرور عليه بخفّة، لا علميًا، ولا إيمانيًا، ولا أخلاقيًا.
أولًا: خلط المفاهيم العلمية
الحديث عن «ذبذبات كونية»، و«إشارات من الفضاء»، و«كائنات باتت قريبة منّا»، وربط كل ذلك بتطوّر الذكاء الاصطناعي، يفتقر إلى أي أساس علمي موثوق في السياق الذي طُرح فيه.
فالذكاء الاصطناعي، بحسب العلم، هو ثمرة مباشرة للعقل البشري: برمجة، وخوارزميات، وبيانات، وتراكم معرفي. هو ليس كيانًا واعيًا، ولا رسالة كونية، ولا نتيجة تواصل مع “جماعات غير أرضية”.
هذا الخطاب لا يقدّم معرفة، بل يخلق رهبة مصطنعة عبر خلط الخيال بالعلم، والغموض بالحقيقة.

ثانيًا: الإشكالية التربوية والنفسية
الأخطر في هذا الطرح ليس غرابته بحدّ ذاتها، بل الدعوة الصريحة إلى “تعليم الأولاد” بوجود كائنات غير أرضية تتدخّل في مسار البشرية. هنا نحن أمام تشويش تربوي ونفسي، يزرع الخوف والوهم، ويقوّض الثقة بالعقل، وبالعلم الرصين، وبقدرة الإنسان على تحمّل مسؤوليته التاريخية.
ثالثًا: استدعاء القداسة في السياسة
أما القول إن «مشكلة حزب الله ستحلّ بمساعدة مار شربل»، فيشكّل انزلاقًا أخطر على المستوى الروحي.
فمار شربل قديس وشفيع، رمز صلاة وتوبة وقداسة، لا وسيطًا سياسيًا ولا أداة لحل نزاعات عسكرية أو حزبية.
إن إقحام اسمه في ملف سياسي–أمني معقّد:
يختزل معنى القداسة،
يسيء إلى مفهوم الشفاعة،
ويحوّل الإيمان إلى خطاب شعبوي مريح للضمير، لكنه معطِّل للمسؤولية.
رابعًا: من منظور الإيمان المسيحي
الإيمان المسيحي لا يعلّمنا أن الله يحلّ أزمات الشعوب بدلًا عنها، بل يدعو الإنسان إلى التوبة، والعدالة، والحوار، وتحمل المسؤولية، مع الإيمان بأن الله هو ضابط الكل، وأن نعمته وقدرته وحبّه يرافقون البشرية عبر الأجيال والسنين.
السلام، بحسب الإنجيل، هو ثمرة حقّ وعدل، لا نتيجة “تدخّل خارق” يُعفي البشر من واجباتهم.
خامسًا: الخطر الوطني
في بلد هشّ كلبنان، إن استخدام الخطاب الغيبي والتنجيمي، وخلطه بالرموز الدينية، لا يوحّد، بل يزيد الانقسام، ويحوّل القلق الجماعي إلى مادة استهلاكية إعلامية، بدل أن يكون حافزًا للنضج الوطني وتحمل المسؤولية.
الخلاصة
ما قُدِّم ليس علمًا، ولا إيمانًا، ولا قراءة رمزية ناضجة، بل سرد خيالي يُسوَّق على أنه “كشف”.
لبنان لا يُبنى بالتوقّعات، ولا يُخلَّص بالتنجيم، ولا تُحلّ أزماته باستدعاء القداسة إلى السياسة.
الأوطان تُشفى بالحقيقة، وبالشجاعة، وبالحوار، وبالعمل المسؤول.
الصمت المتزن أقدس من ألف توقّع.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟