كينونة "الإنسان الفلّاح" ​من كدح الأرض إلى اغتراب الرقمنة ​

منبر 02-01-2026 | 14:01

كينونة "الإنسان الفلّاح" ​من كدح الأرض إلى اغتراب الرقمنة ​

الهبوط بصفته انبعاثاً... من رتابة الجنة إلى مجد الصيرورة​لم يكن خروج الإنسان الأول من الفردوس إلى الحقل مجرد نفيٍ جغرافي أو عقوبة قدرية، بل كان في جوهره "الولادة الثانية" والارتحال الأنطولوجي الأعظم من حالة "الوجود الساكن" إلى رحابة "الوجود الخلّاق". في الفردوس، كان الإنسان يعيش "اكتمالاً جاهزاً" تُلبّى فيه الحاجات من دون سعي، وتُمنح فيه النعم من دون مغامرة. غير أن هذا السكون، على تمامه، كان يخلو من لذة الاكتشاف وبسالة الاختيار.
كينونة "الإنسان الفلّاح" ​من كدح الأرض إلى اغتراب الرقمنة ​
تعبيرية (انترنت)
Smaller Bigger

إلياس عيسى إلياس - كاتب وباحث في الشؤون السياسية والفكرية

 

 


الهبوط بصفته انبعاثاً... من رتابة الجنة إلى مجد الصيرورة
​لم يكن خروج الإنسان الأول من الفردوس إلى الحقل مجرد نفيٍ جغرافي أو عقوبة قدرية، بل كان في جوهره "الولادة الثانية" والارتحال الأنطولوجي الأعظم من حالة "الوجود الساكن" إلى رحابة "الوجود الخلّاق". في الفردوس، كان الإنسان يعيش "اكتمالاً جاهزاً" تُلبّى فيه الحاجات من دون سعي، وتُمنح فيه النعم من دون مغامرة. غير أن هذا السكون، على تمامه، كان يخلو من لذة الاكتشاف وبسالة الاختيار.

​الهبوط، بهذا المعنى، هو صعودٌ نحو المسؤولية، وانتقالٌ ملحمي من كائنٍ يُستضاف إلى كائنٍ يَستخلف. إن أول تماس بين كفّ الإنسان وطين الأرض لم يكن بدايةً للتعب، بل كان إعلان سيادة؛ بحيث أدرك الإنسان أن عرق جبينه هو "الزيت المقدس" الذي يضيء قنديل المعنى، وأن كرامته ليست منحة معطاة، بل هي مجدٌ يُنتزع من بين أنياب المادة وتطويع الصخر.
​ولادة "الإنسان العامل": من الوفرة الميتافيزيقية إلى صرامة المادة
​عند أول تماس مباشر مع التراب، وقع التحوّل الأنثروبولوجي الحاسم. فُطم الإنسان عن "الوفرة الميتافيزيقية" ليواجه مادية الأرض وقوانينها الصارمة. هنا وُلد "الإنسان العامل": الكائن الذي أدرك أن كرامته ليست صفة أنطولوجية ثابتة، بل استحقاق يُنتزع من مقاومة المادة وتطويعها. في هذا السياق، لا يُقرأ "عرق الجبين" بصفته علامة انكسار، بل باعتباره المُعامل الذي يحوّل الجهد الجسدي إلى قيمة معنوية، والعمل إلى لغة يتكلم بها الإنسان مع العالم.
​مفارقة الاستخلاف: السيادة المشروطة بالكدح
​تتجلى عبقرية التجربة الإنسانية في مفارقة تأسيسية: الاستخلاف لا يتحقق إلا عبر الخضوع لقوانين الأرض. فالإنسان لا يملك الأرض إلا بقدر ما يخدمها، ولا يعلو عليها إلا بقدر ما ينحني لصرامتها. لم يعد الخلاص حالة ذهنية، بل مسار يومي يُصاغ في "تنّور الكدح". الأرض، في هذا الإطار، ليست ملكية جامدة، بل مختبركوني تُختبر فيه أهلية الإنسان للعمران؛ فمن خلال حرث الأرض، يحرث الإنسان وعيه، ويعيد تشكيل ذاته.
​أنثروبولوجيا الخبز: من عبودية اللحظة إلى سيادة الزمن
​يمثل الانتقال من "الالتقاط" إلى "الإنتاج" أعظم ثورة نفسية في تاريخ الكائن البشري؛ إذ انتقل الإنسان من "ديكتاتورية اللحظة" وعشوائية الطبيعة إلى عصر "التفاوض الوجودي". مع أول بذرة غُرست في الطين، لم يزرع الإنسان قمحاً فحسب، بل زرع مفهوم "المستقبل". هنا، تعلّم الإنسان أسمى دروس الإرادة: "تأجيل الإشباعط (Delayed Gratification)؛ أي التضحية بالشهوة الآنية والاحتفاظ بالبذرة صبراً ليقين الحصاد الآتي.
​الزراعة حوّلت الزمن من "عدوٍ" يلتهم الأعمار إلى "وعاءٍ تراكمي" للبناء والحضارة. الخبز، في جوهره، ليس مجرد مادة بيولوجية، بل هو "زمنٌ مكثف"، وخلاصة صبرٍ مديد، وعقدٌ اجتماعي مقدّس أبرمه الإنسان مع الأرض ليعلن فيه انتهاء عصر التيه وبداية عصر الاستقرار والسيادة على الوقت.
​أزمة العصر: من "السيادة الحيوية" إلى "الاستنزاف الجيوسياسي"
​في ظل الحداثة المتأخرة، تعرّضت كينونة "الإنسان الفلاح" لعملية سطوٍ ممنهج؛ بحيث انتُزعت منه صفة "حارس الحياة" ليتحول إلى ترسٍ في آلة استهلاكية كبرى لا ترحم. هذا التأزم الوجودي يتجلى في ثلاثة جروح نازفة:
​عولمة الجوع وتسييس الرغيف: تجريد الخبز من قدسيته بصفته ثمرة كدح، ليتحول إلى "ورقة ضغط" جيوسياسية، بحيث بات القمح سلاحاً يُشهر لرهن سيادة الشعوب وقراراتها.
​الانتحار البيئي ونقض الميثاق: حلّ "الاستنزاف الجائر" محل "التعمير الحكيم"، مما فاقم أزمة المناخ وحوّل الأرض من حضنٍ للخصوبة إلى ضحية للاحتباس الحراري والفقر المائي.
​اغتراب البذرة (تسليع المشاع): احتكار البذور وتحويل الحقل من فضاء حيوي نابض بالبركة إلى "مصنع بيولوجي" بارد، تُدار فيه الحياة بخوارزميات الربح الصرف، بعيداً من كرامة اليد التي تزرع.
​أفق الاستشراف: "الفلاح الرقمي" وحرث الحقيقة
​إن استعادة كينونة "الإنسان الفلاح" اليوم هي صرخة للمستقبل، تتجاوز الحقل الطيني لتشمل "حقول المعرفة" في عصر السيولة الرقمية عبر:
​برادايجم النمو العضوي: والمقصود بهذا "النموذج الفكري" هو الكفّ عن التعامل مع المعرفة كسلعة استهلاكية سريعة تُستهلك بـ"نقرة"، والعودة للتعامل مع الفكرة كـ "كائن حي". فالنمو العضوي للمعرفة يقتضي أن الفكرة بذرة تحتاج لتربة نقدية، وسقاية بالبحث، وزمناً كافياً للنضج؛ تماماً كما يحترم الفلاح دورة الفصول، على العقل احترام "زمن النضج" لتتحول المعلومات إلى حكمة حقيقية ذات جذور.
​مقاومة التصحّر المعرفي (صعود "الفلّاح الرقمي"): أمام زحف "المعلومات الزائفة" التي تجتاح الوعي العام كما يجتاح الجراد المحاصيل، تبرز الحاجة لـ"فلاح رقمي" يمارس فن "الحرث الذهني". إنها دعوة لاستعادة الأدوات النقدية لتنقية الحقيقة من شوائب التضليل، تماماً كما ينقي الفلاح سنابله من "الزؤان". المعرفة الصافية، كالزرع الطيب، لا تنبت إلا في أرضٍ سُقيت بماء الفحص وجرى صونها بصبر المنهج.

 الفلاحة كـ "نشيد" للحرية وانبعاث الأمل
​إن استعادة نموذج "الإنسان الفلاح" ليست ارتداداً رومانسيّاً إلى الماضي، بل هي وثبة واعية نحو مستقبلٍ أكثر إنسانية. إنها "مانيفستو" ضد العدمية واغتراب الآلة، ودعوة لبعث الروح في اقتصادنا الذي جفّ، وسياساتنا التي تصحّرت. نحن لا ندعو للعودة إلى الأدوات البدائية، بل إلى "روح المِحراث"؛ ذلك الوعي الحيّ الذي يزرع الأمل في قلب اليأس، ويؤمن بأن الأرض لا تخذل من يعطيها من نبض قلبه.
​"إنسان الفلاح" هو الرمز الأسمى للكائن الذي يتجاوز فناءه الفردي بغرسه لشتلةٍ سينعم بظلها القادمون. هو الجسر الذي يعبر بنا من طين المادة إلى آفاق الروح الرحبة. وفي استعادة هذا النموذج، نعلن انتصارنا على سكون العدم، ونحوّل الكدح من عبءٍ ثقيل إلى "أغنية وجودية" وصلاةٍ يومية في محراب الحياة؛ فمن يملك سرّ البذرة، يملك مفاتيح الخلود.

العلامات الدالة

مواضيع ذات صلة

12/5/2025 11:23:00 AM

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
العالم العربي 1/17/2026 6:13:00 PM
وفاة نائب رئيس الجمهورية اليمنية الأسبق علي سالم البيض