انفجار الدولار وفجور الأسعار: الفقيه يدفع بازار طهران إلى الانهيار
د. عاصم عبد الرحمن
تشهد إيران في الأيام الأخيرة انهيارًا جديدًا ومتسارعًا في قيمة العملة الوطنية، مع تجاوز سعر الدولار في السوق الموازي عتبة ١,٤٤٠,٠٠٠ ريال وفق تقديرات متداولة، في مشهد يعكس فشلًا بنيويًا عميقًا في إدارة الاقتصاد. هذا الانفلات النقدي لا يُترجم أرقامًا في شاشات الصرافة فحسب، بل يتحوّل يوميًا إلى غلاء فاحش ينهش حياة الإيرانيين، من الغذاء والدواء إلى الإيجارات والخدمات الأساسية، ويدفع ملايين الأسر إلى ما دون خط الفقر.

في قلب هذا الانهيار، عاد بازار طهران – التاريخي والرمزي – ليكون ساحة مواجهة صامتة لكنها بالغة الدلالة. تقارير ميدانية وشهادات متداولة على وسائل التواصل تشير إلى إغلاق واسع للمحال وامتناع عدد كبير من التجّار عن البيع، في خطوة احتجاجية تعكس وصولهم إلى طريق مسدود. فالتاجر الذي يبيع اليوم لا يعرف إن كان سيتمكن غدًا من تعويض بضاعته، في ظل تقلبات جنونية للدولار وغياب أي سياسة اقتصادية رشيدة.
الشلل لم يقتصر على البازار التقليدي، بل امتد إلى مراكز تجارية كبرى في وسط العاصمة، حيث أظهرت مقاطع مصوّرة محال إلكترونيات وهواتف مغلقة، وتجمّعات غاضبة لأصحاب المتاجر بدلاً من الزبائن. في بعض هذه المشاهد، تعلو هتافات تندد بانهيار العملة وغلاء الأسعار وتحمّل السلطة المسؤولية المباشرة، في مؤشر على أنّ الغضب الشعبي لم يعد فرديًا أو هامشيًا، بل آخذ في التحوّل إلى احتجاج منظّم.
في موازاة ذلك، أقدمت حكومة النظام على رفع أسعار الوقود عبر آليات تسعير جديدة تزيد الكلفة فور تجاوز حصص محددة، بذريعة "ترشيد الدعم". هذه الخطوة، التي تستحضر في الذاكرة انتفاضات سابقة أشعلتها قرارات مشابهة، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لتضيف عبئًا جديدًا على كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتؤكد مرة أخرى أن النظام لا يرى في المواطن سوى رقم يُستنزف، بينما تُهدر الثروات على مغامرات خارجية وأجهزة قمع داخلي.
من منظور المقاومة الإيرانية، لا يمكن فصل ما يجري اليوم في طهران عن مسار طويل من السخط الاجتماعي. فاحتجاجات العمّال والمتقاعدين والمعلمين والموظفين، التي لم تهدأ في السنوات الأخيرة، كانت دائمًا تعبيرًا عن رفض منظومة الفساد والنهب المنظم. واليوم، حين يصل الاحتقان إلى بازار طهران نفسه، فإن الرسالة تكون أشدّ وقعًا: هذه ليست أزمة قطاع أو فئة، بل أزمة نظام فقد شرعيته الاقتصادية والاجتماعية.
ردّ السلطة جاء متوقعًا: استنفار أمني واسع، انتشار لقوات مكافحة الشغب والحرس الثوري في محيط البازار، حواجز وتفتيش، وعناصر بلباس مدني تراقب وتعتقل من يصوّر أو يحتج. بالتوازي، يُعاد تدوير الخطاب القديم نفسه، القائم على تحميل "الأعداء في الخارج" و"الحرب الاقتصادية" مسؤولية ما يجري، في محاولة يائسة للهروب من الحقيقة.
لكن الحقيقة التي تؤكدها المقاومة الإيرانية بوضوح هي أن الجذر الحقيقي للأزمة لا يكمن في العقوبات وحدها، بل في نظام ولاية الفقيه نفسه: نظام قائم على سوء الإدارة، والفساد البنيوي، وتقديم الأولويات العسكرية والإقليمية على حياة الشعب، وتحويل ثروات البلاد إلى أدوات قمع في الداخل ونفوذ في الخارج.
إن ما يحدث في بازار طهران اليوم ليس مجرد إضراب تجّار أو توقّف مؤقت عن البيع، بل إنذار سياسي–اجتماعي. إنه دليل جديد على أن استمرار انهيار العملة والغلاء والفقر قد يحوّل الاحتجاجات المتفرقة إلى موجة أوسع وأكثر جذرية، حين تلتقي مصالح التجّار الصغار مع غضب العمّال والمتقاعدين وسائر الفئات المنهكة. قد تنجح القبضة الأمنية في تأجيل الانفجار، لكنها عاجزة عن منعه، لأن السبب الحقيقي للأزمة لم يعد في الشارع، بل في بنية نظام يدفع المجتمع الإيراني بأكمله نحو حافة الهاوية.
نبض