هل تستعد واشنطن للحرب أم لترميم الردع؟

منبر 02-01-2026 | 11:52

هل تستعد واشنطن للحرب أم لترميم الردع؟

لطالما برع التحالف الأميركي- الإسرائيلي في إدارة ما يمكن وصفها بديببلوماسية التضليل، حيث ترفع أغصان الزيتون في العلن فيما تشحذ السكاكين في الغرف المغلقة. فالتاريخ السياسي لهذا المحور لم يبن يوما على الوضوح او الثبات، بل على استراتيجية الصدمة التي تسبقها دائماً موجات كثيفة من التنويم الاعلامي، تهدف الى ارباك الخصم وتهيئة الرأي العام لتقبل الوقائع بعد فرضها بالقوة. 
هل تستعد واشنطن للحرب أم لترميم الردع؟
أعلنت واشنطن وطهران عن مفاوضات مرتقبة بعد أسابيع من التكهنات بشأن احتمال اندلاع حرب بينهما. (ا ف ب)
Smaller Bigger

أكرم بزي


 

لطالما برع التحالف الأميركي- الإسرائيلي في إدارة ما يمكن وصفها بديببلوماسية التضليل، حيث ترفع أغصان الزيتون في العلن فيما تشحذ السكاكين في الغرف المغلقة. فالتاريخ السياسي لهذا المحور لم يبن يوما على الوضوح او الثبات، بل على استراتيجية الصدمة التي تسبقها دائماً موجات كثيفة من التنويم الاعلامي، تهدف الى ارباك الخصم وتهيئة الرأي العام لتقبل الوقائع بعد فرضها بالقوة. 
وبعد غارات حزيران التي اخترقت العمق الايراني، لم يعد السؤال الاساسي متعلقا بنيات التصعيد في ذاتها، بل بمدى السذاجة في تصديق أي مسار تهدئة يجري تسويقه لاحقاً، خصوصاً ان التجربة اثبتت ان من يغدر مرة تحت شعار منع التصعيد لن يتردد في إعادة إنتاج السيناريو ذاته متى سنحت الفرصة. من هنا، يصبح الحذر من وهم الأمن ضرورة وجودية في ظل عقيدة عسكرية ترى في المباغتة جوهر الانتصار ومفتاح الحسم.

في هذا المناخ المشبع بالشكوك والاشارات المتناقضة، برزت ما سميت خطة النقاط العشرين التي ولدت في كواليس اجتماع مارالاغو بصفتها التعبير الأوضح عن مفهوم المنع النشط الذي تتبناه واشنطن في مقاربتها للملف الايراني. فمن خلال هذه الخطة، يجري الترويج الكثيف لسردية الحرب الوشيكة، ليس للضغط على طهران فحسب، بل لإعادة ضبط إيقاع المنطقة بأكملها وربط جبهاتها بمعادلة استهداف واحدة. الهدف المعلن هو تصفير القدرات النووية والصاروخية الايرانية، اما الهدف غير المعلن فيتمثل في استعادة هيبة الردع التي اهتزت بفعل تطورات ميدانية غير محسوبة العواقب.
غير ان هذا الضجيج الاعلامي يصطدم بحقائق صلبة أفرزتها حرب الايام الاثني عشر في حزيران، وهي جولة كشفت حدود القوة الاسرائيلية أكثر مما أظهرت تفوقها. ففي تلك اأايام، استنفدت تل أبيب جزءاً كبيراً من بنك أهدافها الاستراتيجية من دون أن تقترب فعلياً من عتبة الحسم، بل وجدت نفسها في الساعات الأخيرة أمام واقع ميداني ضاغط، دفعها الى طلب الغطاء الأميركي ليس من أجل توسيع المواجهة أو فتح جبهات جديدة، بل للبحث عن مخرج سياسي يخفف وطأة الرد الصاروخي الايراني الذي جاء أكثر كثافة ودقة مما افترضته الحسابات العسكرية المسبقة.
هذا التناقض بين بروباغندا الضربة القاضية وبين الواقع الديبلوماسي الذي يوحي تراجع احتمالات المواجهة الشاملة، يعكس في جوهره محاولة أميركية- إسرائيلية حثيثة لترميم صورة ردع تشظت فوق سماء فوردو ونطنز. فالحقيقة التي تحاول الدوائر الغربية حجبها عن الرأي العام هي أن طهران لم تستعد زمام المبادرة عسكرياً فحسب، بل حققت أيضاً إختراقاً نوعياً على المستوى الأمني الداخلي، حيث تمكنت من تفكيك شبكات التجسس واقتلاع جذور الاختراق التي شكلت طوال سنوات العين الرامية للعدو في العمق الايراني.
بناء على ذلك، يبدو ان قرع طبول الحرب في المرحلة الراهنة لا يعدو كونه مناورة محسوبة لشراء الوقت وإعادة بناء الجاهزية السياسية والعسكرية التي تضررت بفعل صدمة حزيران. فالتكلفة المتوقعة لاي مغامرة جديدة، في ظل بيئة إقليمية شديدة التحفز ومفتوحة على احتمالات الانفجار المتدحرج، باتت تتجاوز قدرة المحور الأميركي على الاحتمال والتحكم. وعليه، فإن إدارة الاشتباك بحذر، لا الذهاب الى مواجهة شاملة، هي العنوان الأكثر واقعية لمرحلة ما بعد حزيران، مهما ارتفعت نبرة التهديد ومهما اشتد الخطاب الإعلامي المصاحب لها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...