سبعة أبواب ولا باب للمساءلة نصوص تدير "الخسائر" ولا تُسائل الفعل

منبر 02-01-2026 | 11:30

سبعة أبواب ولا باب للمساءلة نصوص تدير "الخسائر" ولا تُسائل الفعل

حين تُبنى القوانين في أبوابٍ متعدّدة، لا يكون عددها مجرّد ترتيب شكلّي، بل اعلان عن منهجٍ تشريعي كامل. فالابواب لا تُفتح عبثاً، ولا تُغلق من غير دلالة. وفي لحظات الانهيار، حيث تختلط الضرورة بالاستثناء، يغدو كل باب إختباراً لوظيفة القانون: أهو لتنظيم الوقائع ام لإحقاق الحق؟
سبعة أبواب ولا باب للمساءلة نصوص تدير "الخسائر" ولا تُسائل الفعل
قانون الفجوة المالية يثير جدلاً في لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

المحامي ربيع حنا طنوس


 

حين تُبنى القوانين في أبوابٍ متعدّدة، لا يكون عددها مجرّد ترتيب شكلّي، بل اعلان عن منهجٍ تشريعي كامل. فالابواب لا تُفتح عبثاً، ولا تُغلق من غير دلالة. وفي لحظات الانهيار، حيث تختلط الضرورة بالاستثناء، يغدو كل باب إختباراً لوظيفة القانون: أهو لتنظيم الوقائع ام لإحقاق الحق؟
يتألف مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع من سبعة أبواب، أُحكمت هندستها لتنظيم المسارات المالية والإجرائية ورسم خرائط "الخسارة" بدّقة. غير انّ إكتمال هذا البناء يضع القارىء أمام غياب لا يقلّ دلالة عن الحضور: باب المساءلة بصفته عتبة الالتزام وشرط العدالة.
فالقانون، بمعناه الدستوري لا يقاس بعدد مواده ولا بإنتظام أبوابه، بل بقدرته على إحداث أثر قانوني على المخالفة. حيث تنتفي التبعة، يتحوّل التنظيم إلى إدارة ويغدو النص اطاراً لتدبير الأزمة لا أداةً لردعها.

يمضي المشروع في ضبط "الخسائر" وتوزيعها، متكئاً على منطق التنظيم المرحلي الذي يفصل بين معالجة النتائج ومحاسبة الأسباب، ويؤجل المساءلة الى زمنٍ لاحق او الى القضاء العام. غير انّ هذا الفصل، حين يُطلق من دون ضوابط، لا يعود اجراءً تقنياً، بل خيار تشريعي يُعيد تعريف وظيفة القانون ذاتها، ويُفرغ الالتزام من مضمونه.
ويتجلى هذا الخيار عند مقاربته بمفهوم فترة الريبة، لا بوصفها زمناً محصوراً، بل كفترة قانونية سابقة ولاحقة على الانهيار، تمتدّ حيثما ثبت إختلالٌ جوهري في المركز المالي. ففي هذا الإطار، تُعدّ التصرفات التي تقع في ظلّ هذا الخلل باطلة بطلاناً وجوبياً بقوة القانون، لا لعيبٍ في الشكل، بل لانعدام المشروعية في الظرف ذاته. فالارادة الخاصة، حين تختلّ موازين العدالة، لا تنشىء حقاً ولا تحصّن فعلاً.
غير أن المشروع، رغم إقراره الضمني بعمق الاختلال المالي، لم يربط بين هذا الاختلال وسقوط المشروعية عن التصرفات التي أُجريت في ظله أو على تخومه، ولم يُقرّ مبدأ بطلانها أو إعادة النظر في آثارها. وهكذا، تُدار "الخسائر" من دون تفكيك الأفعال التي ساهمت في إنتاجها، وتُحمى النتائج من دون مساءلة السلوكيات التي راكمتها في انفصالٍ دقيق بين التنظيم والعدالة.
وفي هذا السياق، يبرز غيابٌ أشد خطورة يتمثّل في تجاهل مبدأ المسؤولية المهنية للممتهِن المحترف الذي تولّى إدارة العمليات المالية. فالقانون التجاري والقانون المصرفي لا يتعاملان مع هذا الفاعل بصفته شخصاً عادياً، بل كمحترف يُفترض فيه العلم والخبرة وواجب العناية والتشدّد. و الاحتراف في هذا المنطلق، ليس وصفاً وظيفياً محايداً، بل حالة قانونية تنشىء مسؤولية إدارية ومدنية وجزائية وترتّبها عند الإخلال. إن تغييب هذا المبدأ عن المشروع، لا يعني تحييده، بل يعني فصل القرار عن نتيجته، والاختصاص عن أثره وتحويل الإدارة من مسؤولية إلى حصانة.
ويتعاطى هذا الغياب مع تحوّلٍ دلالي موازٍ، بحيث يُستعاض عن المفهوم القانوني الاصيل لترتيب الدائنين بخطابٍ يقارب فكرة تراتبية الخاسرين. والحال ان القانون لا يعرف خاسرين ومغلوبين، بل دائنين تُحدَّد حقوقهم وقواعد الاسبقية والمساواة وحماية الائتمان المشروع. إن استبدال هذا المنطق بلغة "الخسارة" يُفرغ الترتيب من مضمونه، ويحوّل الحق الى عبء والمطالبة الى تنازلٍ مفترض.
إن تجاهل منطق فترة الريبة، وإغفال المسؤولية المهنية للممتهِن، وتهميش ترتيب الدائنين… لا تشكل ثغرات تقنية متفرّقة، بل ترسم معاً بنية تشريعية تُدير الانهيار بدل المساءلته، وتنظيم نتائجه بدل تفكيك أسبابه. وفي هذا الإطار يفقد النص إحدى وظائفه الجوهرية: اعادة التوازن عبر الالتزام، لا الاكتفاء بإدارة الواقع القائم.
لقد أحالت الحكومة مشروع القانون على مجلس النواب، فانتقل من حيّز الصياغة إلى حيّز المسؤولية الدستورية. وما فات السلطة التنفيذية، أو اختارت تجاوزه، لا يجوز أن يتحوّل الى مسلّمة تشريعية. فمجلس النواب ليس غرفة تسجيل، بل هو سلطة تصويب، حيث تُستعاد وظيفة القانون ويُعاد فتح ما أُغلق على عجل.
وهنا لا يعود السؤال موجّهاً الى نصٍّ مُنجز، بل الى إرادة تشريعية قائمة: هل يُراد لهذا القانون أن يدير"الخسائر" فقط، أم أن يُعيد فتح باب المساءلة؟
ذلك هو الباب الذي لم يكتب بعد، والذي وحده يمنح الأبواب السبعة معناها الدستوري الكامل.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/9/2026 2:39:00 PM
إعادة الإعمار، وتأمين التمويل له، على أي نحو كان، بأي توجه، سيبقى منوطاً، بتشكيل "مجلس السلام"، كهيئة إشرافية، أو بالأحرى وصائية.
المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/9/2026 9:06:00 AM
الجيش السوري: دخول حافلات إلى حي الشيخ مقصود في حلب لنقل مقاتلي قوات "قسد" إلى مناطق شرق الفرات
المشرق-العربي 1/9/2026 2:05:00 PM
كانت قوات سوريا الديموقراطية "قسد" تسيطر عليهما قبل العملية الأخيرة، مع العلم أن المنطقتين يعتبران جيباً منفصلاً عن مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا.