الكلمة… قدرٌ يتشكّل في أفواهنا

منبر 16-12-2025 | 11:03

الكلمة… قدرٌ يتشكّل في أفواهنا

في عالمٍ يموج بالتغيّر وتتسارع فيه الإيقاعات كما لو أنّ الزمن نفسه يجري لاهثاً خلف أحلام البشر، تبقى الكلمة هي الثابت الوحيد الذي لا يتغيّر أثره. تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّها في حقيقتها قوة خفيّة تصنع العالم من جديد كلما نُطقت.
الكلمة… قدرٌ يتشكّل في أفواهنا
تعبيرية (مواقع تواصل)
Smaller Bigger

ناهيا أبو ابراهيم -  خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية

 

 

في عالمٍ يموج بالتغيّر وتتسارع فيه الإيقاعات كما لو أنّ الزمن نفسه يجري لاهثاً خلف أحلام البشر، تبقى الكلمة هي الثابت الوحيد الذي لا يتغيّر أثره. تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّها في حقيقتها قوة خفيّة تصنع العالم من جديد كلما نُطقت. ليس غريباً أن يقول الإمام علي كرّم الله وجهه: "أقداركم في أفواهكم"، فالكلمة ليست حدثاً صوتياً عابراً؛ إنّها بذرة قدر، ونقطة تحوّل، وجسرٌ بين عالمين: عالم الداخل وعالم الواقع.
حين نتأمل هذا المعنى في التاريخ الروحي للأمة، يطلّ علينا مشهد الإمام الحسين رضي الله عنه، وهو يقف في لحظة فاصلة بين موت الجسد وحياة المبدأ، فيصرخ بقوله: "كبرت كلمة! وهل البيعة إلا كلمة؟ ما دين المرء سوى كلمة، وما شرف الرجل سوى كلمة…". لم يكن الحسين يدافع عن لفظٍ بسيط، بل كان يدافع عن جوهر الإنسان: عن الصدق حين يلتصق بالضمير، وعن الحرية حين تتجسّد في عبارة، وعن الكرامة حين تصبح الكلمة عنواناً لها. الكلمة هنا ليست رأياً، بل هوية كاملة يختار الإنسان أن يحملها أو يتخلى عنها.
ولأنّ الكلمة امتدادٌ للروح، فهي لا تُقال فقط للناس، بل تُقال – أولًا – للنفس. في عمق علم النفس والبرمجة اللغوية العصبية، يثبت الباحثون أن ما يقوله الإنسان لنفسه يتحوّل تدريجاً إلى قناعة، ثم إلى نمط حياة. فالجملة التي تُقال بلا انتباه تصبح عادة، والعادة تصبح سلوكاً، والسلوك يصنع المصير.
قل لنفسك مراراً: "أنا عاجز"، وستجد العالم يضيق.
وقل لها بثبات: "أنا قادر، أنا أستحق، أنا أستطيع"، وستندهش كيف يتسع الكون؛ كأنّ الأبواب كانت تنتظر كلمة تُقال لتُفتح.
وفي العلاقات الإنسانية، تتجلّى خطورة الكلمة بأعلى صورها. فالعلاقة الزوجية – مهما بلغت قوتها – تقوم على جسر من الكلمات. قد تُصلح كلمة رقيقة ما أفسدته الأيام، وقد تهدم كلمة قاسية ما بنته سنوات المحبة. ليست المشكلة في الخلافات، بل في الكلمات التي تُقال أثناءها؛ فالقلوب لا تنكسر بالصوت، بل بالمعنى.
الكلمة يمكن أن تُشبه نورًا يتسلل إلى روح مُتعبة، أو مثل سهمٍ يُصيب نقطة هشّة في قلبٍ لم يعد يتحمل. قد تُشعل أملاً في نفسٍ كانت على وشك السقوط، وقد تدفع إنساناً إلى حافة اليأس. لذلك قال الحكماء: "من ملك لسانه، ملك قلبه، ومن ملك قلبه، ملك حياته".

إنّ خطورة الكلمة لا تكمن في صوتها، بل في قدرتها على تحريك الواقع. نحن نُنشئ حياتنا عبر ما نقوله:
حين نقول "سأحاول"، فإننا نترك باب التراجع مفتوحاً. وحين نقول "سأفعل"، فإننا نمنح أنفسنا التزاماً أخلاقياً يدفعنا إلى الأمام. وحين نقول للآخر "أنا أقدّرك"، فإننا نعطيه معنى وجودياً لا يُقاس بثمن. وحين نقول "أنت تؤذيني"، فإننا نرسم حدوداً تحمي كرامتنا.
الكلمة ليست لغة فحسب؛ هي موقفٌ من الحياة.
هي إعلانٌ عمّا نؤمن به، وعمّا نخافه، وعمّا نرجوه.
هي دليلٌ على نضجنا الداخلي، وميزانٌ يزن أخلاقنا قبل ألسنتنا.
لهذا، فإنّ الإنسان الراشد لا يتحدث ليملأ الفراغ، بل يتحدث ليبني. ينتقي كلماته كما ينتقي المسافر زاده، لأنّ كل كلمة تخرج منه إمّا أن تكون نوراً يُضاف إلى نور العالم، وإما ظلاماً يثقل قلبه وقلب من حوله.
فلنحمل الكلمة كأمانة لا تُقال جزافاً، وكقيمة تشبهنا وتشبه تاريخنا وكرامتنا. فلنكن من أولئك الذين إذا نطقوا أشرقوا، وإذا صمتوا أراحوا، وإذا قالوا كلمة… كانت تليق بروح الإنسان التي أراد لها الله أن تكون حرّة، واعية، كريمة.
*

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.