لست ضد حرية التعبير، ولا ضد مشاركة التجارب الشخصية، لكننا في الواقع اللبناني والعربي أمام ظاهرة باتت خطِرة بامتياز: أشخاص يقدّمون أنفسهم كـ"مدرّبي حياة" وخبراء علاقات، يوزّعون أحكامًا قاطعة ونصائح مصيرية تمسّ الزواج والطلاق وتفكك الأسر، من دون أي تحصيل علمي موثوق أو شهادات معتمدة أو خبرة مهنية حقيقية. في مجتمعات تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية خانقة، وهشاشة نفسية، وغياب منظومات دعم فعّالة، يصبح الخطاب السطحي أكثر فتكًا. فالكلمة هنا لا تقع في فراغ، بل في بيئة مثقلة بالتوتر والخوف وعدم الاستقرار، ما يجعل أي تحريض عاطفي قابلًا للتحول إلى قرار كارثي. السؤال المشروع ليس ساخرًا ولا عدائيًا: ما هي مؤهلاتكم؟ من خوّلكم الحديث باسم الصحة النفسية والعلاقات الزوجية؟ ومن منحكم سلطة التأثير في قرارات تمسّ مستقبل نساء ورجال وأطفال؟ العلاقات الزوجية ليست مادة استهلاكية، ولا مسرحًا للانفعالات، بل هي بنية إنسانية وقانونية ونفسية معقّدة، لا تُفكك ولا تُرمم بخطاب تعبوي أو فيديوهات قصيرة. الأخطر من السطحية هو خطاب الكراهية المقنّع بالنصائح. ففي كثير من المحتوى الرائج اليوم، نرى هجومًا منهجيًا على الرجل، حيث تصبح تهمة "النرجسية" جاهزة ومعلّبة، تُلصق من دون أي تشخيص علمي أو تحليل نفسي جدي. النرجسية اضطراب نفسي له معايير تشخيصية دقيقة، ولا تُختزل في تقصير عاطفي أو أنانية عابرة أو فشل في التواصل. تحويل كل رجل إلى "نرجسي" لا يحلّ مشكلة، بل يخلق عدوًا وهميًا، ويغلق باب الحوار، ويزرع الشك والكراهية داخل الأسرة.
ثم جاءت الموضة اللغوية الجاهزة: "العلاقة السامة"، مصطلح يُستعمل بلا تعريف علمي، وبلا تمييز بين العنف الحقيقي الذي يستوجب الحماية والتدخل القانوني، وبين الخلافات الزوجية الطبيعية. العلاقة السامة فعلًا هي التي تقوم على الإيذاء الجسدي، التهديد، التحكم المرضي، الإذلال الممنهج، أو الاستغلال النفسي. أما الخلاف، وسوء التواصل، والفتور، والتقصير الإنساني، فهي مشكلات شائعة بين الازواج تُعالج ولا تُحوَّل تلقائيًا إلى حكم بالإعدام على الزواج. كيف يُعقل، في مجتمعاتنا العربية، أن يُتَّخذ قرار الطلاق أو القطيعة أو الانتقام العاطفي بناءً على فيديو لا يتجاوز ثلاثين ثانية؟ كيف تُخرب بيوت لأن شخصًا مجهول الخلفية الفكرية والعلمية والاجتماعية قرر أن "يثور" أمام الكاميرا، ويُسقِط عقده وتجربته الشخصية على الآخرين؟
هنا لا يمكن تجاهل الدور الجوهري لـلمحامين المتخصصين في قضايا الزواج والطلاق، الذين لا يقتصر عملهم على الإجراءات، بل يشكّلون عنصر توازن أساسي بين القانون والواقع الاجتماعي. المحامي المتخصص يُدرك تبعات القرار على الطرفين وعلى الأولاد، ويعمل، قدر الإمكان، على حماية الحقوق، وضبط النزاع، ومنع الانزلاق إلى قرارات انفعالية يصعب التراجع عنها. ولا يقلّ أهمية عن ذلك دور الطبيب النفسي والأخصائي العيادي، لأن الصحة النفسية ليست مساحة للارتجال ولا للتنظير الشعبوي. من أمضى سنوات في الدراسة والتدريب يعرف أن كل حالة فريدة، وأن التعميم خيانة للعلم.
أما الأطفال، فهم الحلقة الأضعف والأكثر تضررًا من هذا الخطاب العبثي. التفكك الأسري لا يمرّ عليهم مرور الكرام، بل يترك آثارًا نفسية عميقة قد تمتد لسنوات: قلق، انعدام أمان، اضطرابات سلوكية، وصورة مشوّهة عن العلاقات. حين يُتخذ قرار الهدم بلا وعي، يدفع الطفل ثمن صراعات لم يخترها، ولا يفهم أسبابها. القضية ليست صراع آراء، بل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية.
ليس كل من امتلك كاميرا امتلك أهلية، وليس كل من صرخ أقنع، وليس كل من أثار جدلًا قدّم حقيقة. الأسر في لبنان والعالم العربي لا تُدار بالترندات، ولا تُعالَج بالشعارات، ولا تُحمى بخطاب تحريضي. بين الفوضى الرقمية والعلم، بين الانفعال والاختصاص، يبقى الخيار واضحًا: إمّا أن نسلّم مصير بيوتنا لمنصات عابرة، أو نعيد الاعتبار للعقل، وللعلم، وللقانون، وللمسؤولية.
حبيب خلف
دكتور في القانون الكنسي
نبض