حين يصبح العطاء طريقاً للامتلاء: سرّ الحب الذي لا يضيع
ناهيا أبو ابراهيم - خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية
في هذا العالم الذي يتعجّل كل شيء، ويتعامل مع المشاعر كما لو كانت صفقات تحتاج إلى مقابل، يظلّ الحبّ الحقيقي هو القانون الكونيّ الوحيد الذي لا يتغيّر. فالعطاء، حين يكون صادراً من روحٍ صافية، لا يمكن أن يضيع أو يتلاشى، بل يعود إلى صاحبه بطريقة ما، في وقت ما، ولو اختلفت الطرق وتغيّرت الوجوه. وقد عبّر دوستويفسكي عن هذه الحقيقة بعبارة قصيرة لكنها لامست جوهر الوجود:
"من يعطي حباً عظيماً، يحصل على حبٍ عظيم."
هذه الكلمات ليست حكمة شاعرٍ أو انعكاس تجربة شخصية فحسب، بل هي إعلان عن قانون خفيّ يسري في الحياة: أن الطاقة التي تخرج من القلب تعود إليه، وأن الشعور الصادق لا يموت عند حدّ العطاء، بل يتحوّل إلى رصيد روحيّ يتكاثر من حيث لا نحتسب.
ولذلك، فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون - هل يستحقّ الآخرون ما نهبه لهم من محبّة؟ وهل سيعود ما قدّمناه إلينا؟ - ليس سؤالاً عن الناس بقدر ما هو سؤال عن "نمط الوعي" الذي نحيا به. فمن يقدّم بعقله ينتظر المقابل، أمّا من يقدّم بقلبه، فيعرف أنّ ما يقدّمه لا يضيع، لأنه لم يُمنح للناس فقط، بل مُنح للحياة نفسها، ولله الذي وعد بقانونٍ أعلى من قوانين البشر: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان."
العطاء هنا ليس ضعفاً ولا تنازلاً، بل هو عودة إلى الفطرة. إنه تعبير عن اتصالٍ عميق بمصدر الحبّ، ذلك النبع الإلهيّ الذي لا يحتاج إلى شروط ليجري. وما دام الحب لا يُقدّم كدينٍ مؤجّل، بل كبذرة صدق، فإن الله يتكفّل إنباتها في التوقيت الذي يعرفه وحده، وقد يأتي الخير من طريق لا علاقة له بالشخص الذي أعطيناه، ولا بالمكان الذي زرعنا فيه.
ولذلك، فإن الحب الذي لا يعود من البشر، قد يعود طمأنينة، سكينة، نوراً داخلياً، أو حتى صفاءً يجعل الإنسان أكثر قدرة على رؤية الحياة من دون مرارة. فالله يقول: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله."

وهذه الآية تكفي لتطمئن قلب كل من يعطي ولا يرى ثمار عطائه فوراً.
وفي العلاقات الزوجية، يصبح العطاء أساساً لا يمكن تجاهله. فالزواج لا يقوم على تبادل الخدمات، ولا على جرد حسابات، بل يقوم على تلك اللمسات الخفية التي لا تُقاس: كلمة تُهدّئ القلق، نظرة تُشعر بالأمان، حضور يُخفّف ثقل الهمّ، ومشاركة تردّ للروح قدرتها على الاحتمال. وهذا هو معنى "المودّة والرحمة" التي تحدّثت عنها الآية الكريمة:
"وجعل بينكم مودة ورحمة."
فالمودّة تُبنى بتكرار العطاء، والرحمة تُصان بالوعي، وكلاهما يشكّلان الحقل الداخلي الذي تنمو فيه العلاقة. من دون هذا العطاء المتبادل، يبقى الزواج مجرّد تعاقد، لا حياة.
ومع ذلك، يبقى أهم ما في العطاء أن يكون نابعاً من قلبٍ سليم. فالإنسان الذي يعطي لا يخسر، بل يكتمل. والروح التي تحبّ لا تنطفئ، بل تتوسّع. وحين لا تجد المحبة طريقها إلى من نمنحهم إيّاها، فهي تسلك طريقاً آخر، قد يفاجئنا بجماله، أو يأتينا من أشخاص لم ننتظر منهم شيئاً. فالأرض التي لا تُنبت ليست خطيئة البذرة، بل التربة.
ولهذا، ليكن عطاؤك امتداداً لقيمتك، وليس انعكاساً لردود فعل الآخرين. أحبّ بصفاء، وامنح بوعي، وابقَ نقيّ القلب مهما تغيّرت الوجوه. فالله لا يضيّع شعوراً خرج من روح صادقة، ولا يُهمل إنساناً كان طيّباً في زمنٍ يُكافِئ فيه العالم القسوة أكثر مما يكافئ اللطف. وتذكّر دائما:
إذا لم تُثمر البذرة في مكانٍ ما، فليس عليك أن تغيّر البذرة… بل الأرض.
نبض