" لا تبكي"
بهذه الكلمات توجَّه يسوع إلى بولس حين أحَسّ هذا بضعَفاته:"تكفيكَ نعمتي، لأنّ قوَّتي تُممَل في الوَهن".
الاب ايلي قنبر
1. "تكفيكَ نعمتي، لأنّ قوَّتي تُعمَل في الوَهن"
بهذه الكلمات توجَّه يسوع إلى بولس حين أحَسّ هذا بضعَفاته:"تكفيكَ نعمتي، لأنّ قوَّتي تُممَل في الوَهن". وعند دخوله، يومًا، إلى مدينة نائين[ وهذا معنى اسمها: المحبوبة] التقى أرملة تمشي في جنازة وحيدها، "فتحنَّن عليها" ودَنا منها مُواسِيًا: "لا تبكي"، ثمّ أيقَظ (أقام) ابنها من رُقاد الموت[ "أيّها الشاب لكَ اقول قُمْ"]. كان يسوع يتَحنّن على الناسالذين لا حَولَ لهُم، ويٌشفِق عليهم ويرحمهم ويُقوِّيهم: "تعالوا إليَّ أيُّها التعِبون والثقيلو الأحمال، وأنا أُريحُكم"[ متّى 11: 2]. سلوكُ يسوع هذ يُثير فينا أسئلةً كهذه:
- عندما أكون في حضرةِ شخصٍ يتألَم، هل أمنحه وقتًا من العناية به ومُرافَقته والإصغاء إليه على غرار يسوع معنا ؟

- لقد تعاطف يسوع مع الأرملة وتألّم لألَمِها وأراد التخفيف من حُزنها. هل أتعاطف، بدَوري، مع شخصٍ حزين ومُصاب بألمٍ كبير؟ وكيف؟ وهل يعرف الرؤساء[ المدَنيّون والدّينيّون] أن يتعاطفوا مع شعوبهم ويتألّموا لآلامهم؟ وهل يُكرِّسون وقتًا للتفكير بمشاكِلهم للخروج بحُلول مُستَدامة لِصالِحهم؟
- كان يسوع يُعطي الحياة حيثُما حَلّ، ويُعزّي، "ويشفي كلَّ مرَضٍ في الشعب"[ ر متى 4: 23]، ويُحرِّر "الماسورين"[ لوقا 4: 16-22] لأنّه ا"الحُبّ"[ 1 يوحنّا 4: 16]، ويُريدنا "مُنتَصِبي القامةِ نَمشي"[ اُغنية لـ مرسيل خليفه] للسَير وإيّاه على دروب الحياة. مَن مِنّا يمشي في طريق يسوع هذا؟
- أرملة نائين أفلسَت. صارَت لا حولَ لها ولاقوّة بِفَقد زوجها ووَحيدها. وناسُنا اليوم لا حولَ لهُم في ظلّ اقتصادٍ رأسماليٍّ متوحِّش أفقدَهم مالَهم ومعنى الحياة وقيمتها. وقد تواطأ الإكليروس ورجال الدِّين في ذلك مع وحوش الصهيونيّة الماليّة والإعلاميّة والعِلميّة والطبِّيَّة والعسكريّة ... بيسوع، استعادَت أرملة نائين نفَسَها وَنَفْسَها والحياة مُجدَّدًا. والشعب أعلن يومها: "لقد قام فينا نبيٌُّ عظيم، وافتَقد اللهُ شعبه"[ لوقا 7: 16]. فيما نحن في لبنان قد "جنَّطنا" كما يُقال بالعامِّيَّة. وفي غزّةَ يعمل الصهاينة عبر ترامپ ونتِن-ياهو على سلبها أرضها وثرواتها، على غرار نهب بلاد أُخرى، اليسَ كذلك؟ ...
- وإن ذهبنا في الرمزيّة، قد نجد أنّنا نحن أرملة نائين، والابن هو الأعمال الميّتة، اي العُقم فينا والنقص في الإلهام وعدَم الفهم - ومنها عدم فهم كلمة الله - والأعمال المُميتة أو الأهواء الرديئة لدَينا. إلى ما يعتَرينا من نقص في الصلاة (الصِلة بالله) وخطايا لا تُعَدّ لا سيَّما العَيب في التوبة، ما يُؤشِّر إلى الموت الروحيّ فينا أو الاستسلام للحياة الماجنة؛ وهذا يحرُمني من حُبّ يسوع وحنانه و"تحرُّك أحشائه" رأفةً بي؟...
2. "الحامل المسيح"
كلُّ مُعمَّد يلبس المسيح، ويحمله في حياته اليوميّة. لكن هناك "الحامل المسيح" الذي عاش في زمن الإمبراطور الروماني داكيوس قيصر[ في أواسط القرن الثالث للميلاد]. فهو بعد اعتناقه المسيحية، عاش قرب نهر وأخذ يساعد المسافرين على عبوره. في ليلة عاصفة، سمع طفلاً يُناديه ليُساعده على العُبور، ولمَّا عبَر به النهر، أعلن الطفل عن نفسه كمَسيح، وأعطى الرجل اسم "خريستوفورُس".
من هذا المُنطلَق، علينا أن نعبر بالناس نهر المخاطر والحروب والكوارث والمصائب إلى ضفّة "الحياة بِوَفرة"[ يوحنّا 10: 10] للجميع. كيف لنا ذلك في خضمّ جولات الحروب وصَولات العنف المعنويّ والجسديّ والاقتصادّيّ والعسكريّ ؟
جاء في المزمور:"يا رَبُّ خَلِّص ٱلمَلِك، وَٱستَجِب لَنا يَومَ نَدعوك"(20: 9). وأيضًا:"ليستجِب لك الربّ في يوم الضيق، وليَعضُدْك اسم إله يعقوب"(مزمزر 20: 1).
تُقام الصلوات من دون توقّف من أجل حلول السلام، ولم يأتِ. لِمَ؟ ونُحدِّد: الصلاة "للملِك"[ "لا للملِك" ترامپ قال الأميركيّون في تظاهرات انتدّت على مساحة الولايات المتّحدة (7 ملايين شخص).]، لحاكمنا ومَوطننا. لِمَ نُحدِّد ونَحصر الدُعاء بأنفُسنا دون الآخَر المختلِف؟ وهل يمكن أن يكون الإله طرَفًا في علاقاته مع الشعوب؟ وهل يُمكن الرُكون إلى الدُعاء وحسْب!؟
لكن هناك"حاجة إلى مقاومة الاستعمار " - في كلّ أنحاء الأرض وتحديدًا في بلدنا - والتي "باتت أكثر ملحاحيّة وضرورة من قبل، كي لا يتفكّك المجتمع وتتفكّك القدرة البسيطة الباقية"[ خريستو المرّ، حاجة إلى تبنّي مشروع دولة قادرة، الأحبار، 14 تشرين الأوّل 2025.
]، خصوصًا في غياب دولةٍ "تقوم بواجباتها فعلاً: حماية الشعب من المخاطر وتأمين وسائل الحياة (التي تسمح له بالقدرة على الاستمرار خلال مواجهات طويلة الأمد)". لذا يجب أن تكون مُقاوَمة الاستعمار "وطنيّة" .. ولكن في بلدٍ طائفيّ حتّى النُخاع، وفيه فريقٌ ينحاز بقوّةٍ وبشكلٍ مُطلَق إلى المُستعمِر، أنّى يكون لنا ما نَشتَهيه؟
أمّا النضال الّلاعنفيّ فهو الطريق الشاقّ والسليم بآن وُصولًا إلى السلام في المجتَمعات البشريّة. لكن دونه عقبة التنشئة عليه والتمرُّس به ليُؤتي ثماره المرجوّة بأقلّ خسائر ممكنة وفي وقتٍ قياسيٍّ نسبيًّا. لقد عرفته بريتوريا مع نِلسُن مانديلَّا، والهند قبلها مع المهاتما غاندي. وقد بدأ الغرب يتذوّقه في جامعات الولايات المتحدة الأميركيّة وبعض جامعات غرب أوروپّا، كذلك عبر التحرّكات الأخيرة ضدّ "الملِك" المتوحِّش ترامپ. غير أنّ فلسطين لم تستطع أن تمشي به نظرًا للوحشيّة غير المَوصوفة التي يُمارسها الاحتلال الاستعماريّ. نعم، "في هذه المرحلة المُزرية من تاريخ الحضارة الغربيّة ... تُهيمن نظرية[ أكثر «إبداعاً ونجاعة».] «نيكروبوليتيك»[ مَيسون رِضا، إبادة غزة ونهاية الإنسان، الأخبار، 15 تشرين الأوّل 2025.]".[ هذه السياسة التي "تتبناها حكومات الغرب حالياً بالكامل، تجاه باقي الشعوب، أو حتى شعوبها بدرجة ما. فسلطة الموت اليوم هي التي تحدد مَن يعيش ومَن هو صالح للحياة، ومَن يمكن الاستغناء عنه بالقتل والإبادة، وهي تخلق عوالم الموت".]. تعمل عبر"هيكلة ممارسة السلطة ... بإطلاق العنان للحقّ السياديّ غير المُقيّد[ "لا تتعلّق بعقلانيّة القانون وكونيّة القيَم الأخلاقية".] في قتل وتشويه واغتصاب وتدمير حياة الآخرين". هذا يعني أنّ سلطة الأقوى هي التي تسُود؟
نبض