القدّيس فرنسيس ونشيد الخليقة الحيّ
في الرابع من تشرين الأوّل/أكتوبر من كلّ عام، تحتفل الكنيسة بعيد القدّيس فرنسيس الأسيزيّ، رمز الفقر المشرق والأخوّة الشاملة. في سنة 2025، تكتسب هذه الاحتفالية بُعداً مميّزاً...
الأب سميح رعد
في الرابع من تشرين الأوّل/أكتوبر من كلّ عام، تحتفل الكنيسة بعيد القدّيس فرنسيس الأسيزيّ، رمز الفقر المشرق والأخوّة الشاملة. في سنة 2025، تكتسب هذه الاحتفالية بُعداً مميّزاً: فقد مرّ ثمانمئة عام وعام منذ أن ألّف "الأخ الفقير"، سنة 1224 "نشيد الخليقة"، ذلك النشيد الذي ترتفع فيه الأرض والسماء والريح والنار والماء والشجر والنبات بصوت واحد لتمجيد خالقها. خطّ فرنسيس هذه الأبيات كصدًى أبديٍّ، ومنذ ذلك الحين، لا تزال كلّ نغمةٍ وكلّ كلمةٍ تتردّد في أعماق القلوب، مذكّرةً بأنّ كلّ الخليقة تسمو نشيداً حياً نابضاً بالثناء على مجد الله.
موهَن القوى وقد غشي بصره، ألّف القدّيس فرنسيس "نشيد الخليقة"، ترنيمة تسبيح وإيمان. ومن رحم ضعف جسده وُلد هذا النصّ الشعريّ الذي يعكس دهشته أمام الله والخليقة، وقد خطَّه في حديقة دير القدّيس دميان، في أسيزيّ، حيث كانت الأزهار والريح والشمس تحيط به.
ينساب النصّ كأنشودةٍ تشفّعيّة، تستهلّ كلّ مقطوعةٍ بعبارة: "مباركٌ أنت، يا ربّي!" ففي الشمس والقمر، في الرياح والمياه، في النار والأرض، يرى القدّيس فرنسيس إخوةً وأخواتٍ يشهدون لجود الله وصلاحه وكرمه. وحتى الموت، الذي يهابه الإنسان، يتحوّل إلى رفيقٍ أمينٍ يقود نحو الحياة الأبديّة. وهكذا تتجلّى الخليقة بأسرها كمسيرة تسبيحٍ وحمدٍ وشكرٍ للرب.
القدّيس فرنسيس، أيقونة السلام والجذريّة الإنجيليّة، عاش الفقر والتواضع بوفاءٍ لا يعرف التردّد. كان قلبه، في اتّباعه للمسيح، منفتحاً على الإنجيل، يلمّ القلوب المتباعدة، يخدم الفقراء، ويحوّل كلّ عملٍ وكلّ لقاءٍ إلى صلاةٍ حيّة، ترتعش فيها الأرواح بالمحبّة.
كانت رؤيته الواسعة تمتدّ إلى كلّ الخليقة، فتتجلّى عيناه في كلّ زهرةٍ شعاعاً من جمال الله، وفي كل نسمة ريحٍ صوتٌ يصدح بتسابيحه، وفي كلّ شعاع شمسٍ لمحة من قدسه. كانت الأشجار، الأنهار، الطيور والحيوانات كلها عنده مرايا للسماء، تحمل له رسالة المحبة الإلهية. حتى الصمت والظلال، والليل والنهار، كانت عنده أنغاماً خفيّةً من ترانيم الخالق، تدعو القلب إلى الانحناء والتأمل. في كلّ ما يحيط بنا، كان يرى حضور الله المشرق، فتصبح كلّ لحظةٍ فرصةً للشكر، وكلّ نفسٍ دعوةً للاهتداء، وكلّ مشهدٍ درساً في التواضع والحبّ. هكذا علّمه الكون أنّ الحياة ليست مجرّد امتلاكٍ أو معرفة، بل هي احتفالٌ دائمٌ بعظمة الخلق وروحانيّة الوجود، حيث يتجلّى الله في كلّ تفاصيله الصغيرة والكبيرة على حدٍّ سواء.
حتى اليوم، يحتفظ هذا النشيد بطاقته الروحيّة. فهو يعلّمنا أن ننظر إلى الكوكب كبيت الكائنات المشترك، الذي ينبغي على الإنسان أن يعتني به ويحميه. ويذكّرنا بأنّ التسبيح يمكن أن يزهر في قلب ليل التجربة: القدّيس فرنسيس لم ينتظر زوال الألم ليُرنّم لله، بل ترك ثقته تتغلّب على الخوف. يتردّد صدى "نشيد الخليقة" أمام التحدّيات المعاصرة المتعلّقة بالحفاظ على بيتنا المشترك. يكشف المثلّث الرحمات البابا فرنسيس، مستعيداً كلماته الافتتاحيّة في الرسالة العامّة "كُنْ مُسَبَّحاً"، إلى أنّ العناية بالخليقة تنبع من امتنانٍ عميق، ومن تبنّي الاعتدال في الحياة، ومن وعيٍ لكلّ خليقةٍ واحترامٍ لكلّ حياة.
مع القدّيس فرنسيس، نحتفل بفرح في هذا النشيد:
أيها الإله العظيم، القدير، والرب الطيب،
لك وحدك يليق المجد والعظمة والشرف، وكل البركات؛
لك وحدك يليق كلّ مديح وثناء، أيها العلي،
ولا يليق لبشر أن يذكر اسمك.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل كلّ خلائقك،
لا سيّما أختنا الشمس،
التي بها تمنحنا النهار والنور؛
إنّها جميلة، مشعّةٌ في بهاءٍ عظيم،
ومن خلالها أيّها العليّ، يتجلّى لنا سناك.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل أخينا القمر والنجوم،
في السماء خلقتها،
متلألئة وثمينة وبهيّة.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل أخينا الهواء،
والريح، والسحب،
والسماء الصافية وجميع الأحوال الجوّيّة؛
بفضلها تحافظ على حياة كل الخليقة.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل أختنا المياه،
النافعة والمتواضعة،
الثمينة والطاهرة.
مسبّح أنت يا ربّي، من أختنا النار،
التي بها تنير الليل؛
إنّها جميلة ومفرحة،
قويّةٌ لا تُقهر.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل أختنا وأمّنا الأرض،
التي تحملنا وتُغذّينا،
وتُنتج الثمار المتنوّعة،
مع الزهور البديعة والأعشاب.
مسبّحٌ أنت يا ربّي، من أجل الذين يغفرون بفضل حبّك،
والذين يصبرون على الشدائد والأمراض؛
طوبى لهم إن تمسّكوا بالسلام،
فبواسطتك، أيّها العليّ، يُتَوَّجون بالمجد.
مسبّح أنت يا ربّي، من أجل أخينا الموت الجسديّ،
الذي لا يفلِت منه أحدٌ من الأحياء.
ويلٌ للذين يموتون في الخطيئة؛
طوبى للذين يُفاجئهم وهم يعملون بمشيئتك،
فالموت الثاني لا يستطيع أن يؤذيهم.
أمجدك يا ربّي وأباركك،
وأشكرك،
وأخدمك بكلّ تواضع.
نبض