المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية: توأمان بروح واحدة حين تتقاسم مقاعد العلم همّ الوطن وأمله
المحامي ربيع حنا طنوس
ليست المدرسة الرسمية ولا الجامعة اللبنانية مؤسستين عاديتين في لبنان، بل هما ذاكرة وطنية بحدّ ذاتهما. من مقاعد الخشب الأولى التي حملت أسماء التلاميذ وملامح أحلامهم، إلى قاعات الجامعة التي جمعت وجوهاً من كل المناطق والطوائف، ظلّ التعليم الرسمي شاهداً على أن فكرة الوطن تبدأ من الحرف، وأن الهوية تُصاغ من خلال دفتر وقلم وكرسي متواضع، حيث يُصبح العلم فعل إنتماء قبل أن يكون طلب معرفة.
غير أن هذه الصورة المضيئة لم تسلم من التشويه. فالمدرسة الرسمية ترزح تحت الإهمال: مناهج متقادمة، أبنية متصدعة، ومعلمون مثقلون بظلّم مادي ومعنوي. أمّا الجامعة اللبنانية، التي وُلدت لتكون جامعة الوطن، فتتخبّط في أزمات السياسة والتمويل، حتى غدت قاعاتها شاهدة على نزيف الهجرة بدل أن تكون حاضنة للعقول. وهكذا تتنازع المؤسستان بين رسالتهما التأسيسية وأزماتهما المتراكمة، بين وعد النهضة وخطر الانهيار.
من هذا المنطلق، لابد من استحضار البعد الدستوري. فالمادة العاشرة من الدستور اللبناني أعطت للتعليم موقعاً مميزاً، إذ نصّت على أن "التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العام أو ينافي الآداب أو يتعرض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب"، مؤكدة في الوقت نفسه "حق الطوائف في إنشاء مدارسها، على أن تسير وفق أنظمة الدولة في شؤون المعارف العمومية". هذا النص يكشف أن الدستور لا يرى في التعليم مجرد خدمة اجتماعية، بل حقاً اساسياً وركناً من أركان بناء الدولة. وما جاء في الدستور وجد صداه في خطاب القسم، حيث حُجز للتعليم حيِّز واضح، بإعتباره مدخلاً لإعادة بناء الدولة وتعزيز المواطنة. فالتنشئة الوطنية السليمة تبدأ من المدرسة الرسمية وتتكّرس في الجامعة اللبنانية، لتشكلا معاً الإطار الجامع لمفهوم المواطنة فوق الانتماءات الضيقة.

إن أزمة التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية ليست أزمة أبنية أو رواتب فحسب، بل أزمة هوية وطنية، فحين تهمل الدولة مدرستها الرسمية فهي تهمل فكرة الدولة نفسها. وحين تترك الجامعة اللبنانية للنزيف فإنها تترك المستقبل للتيه. ومع ذلك يبقى التعليم الرسمي الطريق الأقصر نحو العدالة، والمرآة الاصدق لصورة الوطن.
وعليه، يبقى الوطن معلّقاً بين دفتر المدرسة الرسمية ودفتر الجامعة اللبنانية، كمن يقرأ نصف حكاية ويحرم نفسه من نهايتها. فهما توأمان بروح واحدة: إذا مرض أحدهما ارتعش جسد الآخر، وإذا إنهار أحدهما سقطت ذاكرة الوطن في العتمة.
إن التعليم هنا ليس مجرد مقعد خشبي أو محاضرة جامعية، بل الشرط الأول للانتقال من فوضى الانتماء إلى وضوح المواطنة. لذلك إذا كانت الدولة جادّة في إعادة بناء نفسها، فلابد من أن تبدأ من هذين التوأمين، لان خلاص الوطن لا يُكتب إلا بالحبر الذي سُكِب على دفاتر أبنائه، ولان مستقبل لبنان لن يُفتح إلا بمفاتيح المعرفة المزروعة في المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية معاً.
نبض