حين تسقط الضمانات الخارجية تبرز الحاجة الى "ناتو" إسلامي؟

منبر 18-09-2025 | 09:54

حين تسقط الضمانات الخارجية تبرز الحاجة الى "ناتو" إسلامي؟

في خضم التحولات الجيو-سياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة الملحة أمام الدول الإقليمية الكبرى لإعادة النظر في منظوماتها الأمنية، وصوغ سياسات أكثر استقلالية بعيداً من الارتهان للمظلات الخارجية.
حين تسقط الضمانات الخارجية  تبرز الحاجة الى "ناتو" إسلامي؟
جانب من الاجتماع التحضيري للقمة (أ ف ب)
Smaller Bigger

المحامي خالد عجاج


في خضم التحولات الجيو-سياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة الملحة أمام الدول الإقليمية الكبرى لإعادة النظر في منظوماتها الأمنية، وصوغ سياسات أكثر استقلالية بعيداً من الارتهان للمظلات الخارجية. السعودية بصفتها دولة محورية في العالمين العربي والإسلامي تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي، فهل تستمر في ربط أمنها بالمظلة الأميركية، أم تبني منظومة أمنية عبر تحالفات إسلامية مستقلة قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان استقرارها في مواجهة أي تهديد بعيداً من تقلبات المصالح الدولية؟
الضربة الإسرائيلية التي تعرضت لها قطر بغطاء أميركي رغم العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة، جاءت تؤكد هشاشة الضمانات الأمنية التي لطالما سعت الادارة الأميركية الى تقديمها لحلفائها. فالعلاقات الاستراتيجية المتينة التي تربط الدوحة بواشنطن، لم تمنع استهدافها ولم توفر لها الحماية، بل ساعدت إسرائيل استخباراتياً عدا تزويد الطيران الإسرائيلي الوقود جواً، كأنها تسمح بإعادة رسم قواعد الاشتباك على حساب حلفائها. هذه الضربة تمثل جرس انذار صريحاً للسعودية، اذ لا يمكن لدولة كبرى أن ترهن أمنها القومي بوعود أميركية، لأن المصالح الدولية متغيرة بطبيعتها، وقد تتحول في أي لحظة ضد الشريك المفترض.

 

 

ان التحديات الأمنية التي تواجه السعودية اليوم ليست تقليدية ولا يمكن الاستهانة بها، متعددة ومعقدة، فهي تواجه تهديدات إقليمية مباشرة وغير مباشرة، فمن جهة يشهد الإقليم سباق تسلح متسارعاً ومتزايداً في الحروب بالوكالة، الى حلم نتنياهو اقتطاع أراضي المملكة الى دولته الموعودة. ومن جهة أخرى، هنالك التحولات في أسواق الطاقة التي تقلل تدريجاً من القدرة على استخدام النفط سلاحاً جيو-سياسياً كما كان في الماضي. وإلى جانب ذلك، تسعى السعودية في إطار رؤية 2030 إلى إطلاق مسار تنموي واقتصادي غير مسبوق، وهو مسار يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة لضمان تحقيق هذه الرؤية. أي خلل أمني واسع النطاق ستكون تكلفته باهظة على الداخل السعودي وعلى طموحاته الاستراتيجية. جميع هذه العوامل تفرض على السعودية البحث عن شبكة تحالفات أكثر مرونة واستقلالية، بعيداً من أي هيمنة خارجية قد تهدد سيادتها.
ان حاجة السعودية الى بناء تحالف إسلامي "ناتو" ليس ترفاً سياسياً ولا مجرد شعار بل ضرورة استراتيجية. وبالتالي، فإن انشاء هذا التحالف يضم دولاً ذات ثقل سياسي وعسكري مثل تركيا وباكستان والجزائر ومصر، وتنضوي تحته دول عربية وإسلامية أخرى، يمثل خياراً استراتيجياً ضرورياً. تركيا تمتلك خبرة عسكرية وبنية دفاعية متطورة وحضوراً سياسياً مؤثراً، إذ حققت في العقد الأخير قفزات نوعية في الصناعات الدفاعية من الطائرات المسيرة وأنظمة الحرب الإلكترونية، هذه القدرات تضيف بعداً نوعياً لأي تحالف، وتمنح أعضاء التحالف فرصة لبناء شراكات في مجال التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا، ما يقلل من اعتمادها على الغرب. بينما توفر باكستان قوة نووية وجيشاً ضخماً وتجربة قتالية عميقة تجعلها شريكاً لا يمكن تجاهله، فإن اشراك إسلام آباد في منظومة أمنية مشتركة يوفر مظلة ردع استراتيجي متقدمة ضد أي تهديد محتمل، ويمنح الرياض ورقة قوة إضافية في علاقاتها مع القوى الكبرى.
أما الجزائر فهي تمثل العمق الاستراتيجي والطاقوي لأي مشروع تحالف إسلامي، ووجود الجزائر في هذا التحالف يحقق بعدين:
-عسكري – استراتيجي بحيث يعزز من القدرة على حماية شمال افريقيا والواجهة المتوسطية.
-طاقوي – اقتصادي بحيث يضيف زخماً لمكانة التحالف في أسواق الطاقة العالمية.
فوجود الجزائر يجعل المشروع الإسلامي أكثر توازناً وعمقاً، ويؤكد أن الرؤية السعودية ليست محصورة بالمشرق فحسب بل تغطي الفضاء العربي – الإسلامي كاملاً.
وتبقى مصر ركناً رابعاً لا يمكن تجاهله، فهي صاحبة أكبر جيش عربي مع خبرة طويلة في إدارة النزاعات الإقليمية، وموقعها الاستراتيجي على قناة السويس يمنحها أهمية مضاعفة في حماية خطوط الملاحة الدولية.
مثل هذا التحالف يمنح السعودية قدرة على حماية مصالحها بشكل مباشر، ويقلل من الاعتماد على الولايات المتحدة التي قد تتخلى عنها عند الضرورة، كما شهدنا في حادثة قطر.
كما أن التحالف الإسلامي"ناتو" يمنح السعودية استقلالية أكبر في علاقاتها الدولية. فالسعودية التي ظلت عقوداً تحت مظلة الحماية الأميركية، تحتاج اليوم إلى ورقة قوة بديلة تمكنها من التفاوض مع واشنطن بندّية أكبر. وجود تحالف إسلامي قوي يمنحها أداة ضغط استراتيجية، ويؤكد أنها قادرة على حماية أمنها القومي من ىدون انتظار إذن أو حماية خارجية.

يحمل هذا التحالف الى جانب بعده العملي بعداً رمزياً وسياسياً كبيراً. وقيادة السعودية لهذا التحالف تؤكد للعالم قدرة الأمة الإسلامية على الدفاع عن نفسها وضمان أمنها واستقرارها من خلال الوحدة والتعاون. وبهذه الخطوة تنتقل السعودية من متلقٍ للحماية إلى منتج للأمن والاستقرار في المنطقة، وتثبت أن السيادة الوطنية والأمن لا يمكن استيرادهما، بل أن الأمن يُبنى على أسس من التحالفات الواقعية والمصالح المشتركة بين الدول القادرة على حماية نفسها بنفسها.
تواجه السعودية اليوم مفترق طرق استراتيجياً. فاعتمادها على الضمانات الأميركية وحدها لم يعد كافياً ولا مضموناً، كما أظهرت تجربة قطر بوضوح. لذلك أصبح بناء تحالف إسلامي"ناتو" واسع يمتد من أنقرة إلى إسلام آباد مروراً بالقاهرة والرياض، خطوة أساسية نحو مرحلة جديدة من الاستقلالية والسيادة الفعلية في القرارين الأمني والسياسي. فالأمن لا يُطلب ويستورد، والسيادة لا تُمنح، بل تُبنى على تحالفات حقيقية قائمة على الإرادة المشتركة والقدرة الذاتية. وما جرى في قطر قد يكون الدرس الأهم الذي يدفع السعودية إلى إعادة رسم معادلات أمنها على أسس جديدة أكثر صلابة واستقلالية. فهل ستتمكن من استثمار هذه الفرصة التاريخية لبناء تحالف إسلامي "ناتو" قادر على حماية مصالحها وأمنها القومي، أم ستظل رهينة للضمانات الخارجية غير المضمونة؟



المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟