حدادة وبويا
نرمي صنّارة الأحلام، نصطاد بها إعجابات واهتمامات مؤقّتة، ثمّ نبتلع الفراغ القاتل بطعم السّمن والعسل.
أحلام محسن زلزلة
نحن فريسة حياة رقميّة، تخفي خلفها الواقع المتكسّر على أقدام المارد الافتراضي.
نرمي صنّارة الأحلام، نصطاد بها إعجابات واهتمامات مؤقّتة، ثمّ نبتلع الفراغ القاتل بطعم السّمن والعسل.
بات الهروب إلى الوهم حاجة ملحّة لشحن الشّعور بالسّعادة المؤجلة، ننسج فيه من الوهن أساطير كرتونيّة، ومن تفاصيلنا العاديّة سير ذاتيّة عملاقة لا تلمع تحت الشّمس.
أمامنا بوستات مبهرة تتقلّب كأمواجٍ متناقضة، الكلّ فيها مداوٍ ومعتلّ يفرّغ أوجاعه بفيديوات متتالية.
من داع للطّاقة الإيجابيّة بروح متكسّرة تنهار عبر الهواء المباشر.
إلى من يقنعك أنّ ثلاث ملاعق من الخلّ كنز في بيتك.
وشراب الكمّون البديل الرسميّ عن الطّبّ النّفسي.

في هذا الوحش الأزرق، كل الأحلام متاحة:
بكبسة زر، يمكنك أن تكون طبيبًا تشخّص المرضى فلكيّا حسب حركة الكواكب.
أو صحافيًا يجري مقابلاتٍ طاحنة تحذّر من الذّكاء الاصطناعي.
أو محلّلًا استراتيجيًا يشرّح جثث السّياسة المعادة التّشريح ألف مرّة.
أمّا الكلمة العليا، فهي للطّهاة، يهندسون العدس البائت ليصبح وليمةً ملوكيّة على موائد الأرستقراطيين حصراً.
يلهمون الجماهير بأطباقهم أكثر من موائد الشّعراء والفلاسفة.
في خضمّ هذه الشّبكة العنكوبتية ينزوي المستخدم على هامش الصّخب المتخوم، منفوخ خلف شاشة لا تفضحه.
هو وحده الكومبارس والمخرج التّراجيدي لروائعه الّتي لا تعرض إلّا على صفحته، ولا يصفّق لها سوى يديه.
في الحقيقة، باتت مواقع التواصل الاجتماعي درباً إلى الانفصال الواقعي.
وما إن نطفئ الشّاشة، حتى نهبط في قعر الحقيقة المؤلمة:
البطل الرّقمي يغدو مواطنًا منهكًا، يواجه أوجاعه بوجعه :
قسطل ماء معطّل، كهرباء تزور مرّة واحدة كل يوم، سوقٌ مكتظّ يفرم الأعصاب في رحلة البحث والتّقصى عن أرخص كيلو بطاطا.
لتصبح أولويّاتنا: طبخة اليوم، لا جريدة اليوم.
وماذا سنأكل؟ بدلًا من..."ماذا سيحدث في هذا الكون"؟
فكم احتضنّا صداقات تمتدّ من الشّاشة إلى أقاصي الأرض،
لكن حين نصطدم ببعضنا صدفة على أرصفة الواقع، نتبادل التّجاهل بصمتٍ مهذّب، ولغة منمّقة، كأن جدار برلين يفصل بين أرواحنا المتباعدة.
على الأرض...
هبوط اضطراري من المجد، من الـ "ترند"، من الجمهور.
وأحوال لا يمكن تصليحها إلا بالحدادة والبويا، وأجهزة تتحادث مع بعضها البعض عن الإنسان الآلي.
نبض