وَٱلَّذي عايَنَ شَهِدَ وَشَهادَتُهُ حَقٌّ"
الاب ايلي قنبر
"في ذَلِكَ ٱلزَّمان، تَشاوَرَ رُؤَساءُ ٱلكَهَنَةِ جَميعًا وَشُيوخُ ٱلشَّعبِ عَلى يَسوعَ لِيُميتوهُ"- متّى 27: 1
"في ذلك الزمان"، وفي هذا الزمان أيضًا وأيضًا يعمل "رؤساءاليهود" في الكَيان الغاصِب "لِيُميتوا" يسوع - المُتَماهي مع أهل غزّة والضفّة الغربيّة ولبنان وسوريّا واليمن والعالَم العربيّ عمومًا. بصليبه جمَع يسوع إلى صَدر الإلَه كلّ البشريّة وحصوصاً المتألِّمة، في حين تبقى "كَلِمَةَ ٱلصَّليبِ عِندَ ٱلهالِكينَ – من صهاينة و"مجتمعٍ دُوَليّ" والدائرين في فلَكه - جَهالَةٌ". وبهذه "الجهالة" يُبرِّر "الهالكون" عمليّات الإبادة والتفجير عبر قصف الناس في المستشفيات، واستهداف الطواقم الطبية على الطرُق وموظفي الأمم المتحدة ومراكزها، واغتيال الصحافيِّين والإعلاميِّين وفرَق الإغاثة وقنص الأطفال، وتجويع أهل غزّة وخطف عشرات الآلاف منهم وتعذيبهم واغتصابهم والحطّ من كرامتهم. في وقتٍ لم يتحرّك فيه العالم بطريقة فعّالة ومُجدِية لمَنع الكيان الإسرائيلي من مُواصلة إجرامه ومُخالفاته لأبسط قواعد القانون الدولي وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة.
من جنْبه الذي "خرجَ منه دَمٌ وَماء"، سقَى يسوع المتألِّمين والمقهورين والمظلومين والمُستَضعَفين والمُستَعبَدين حياةً من دمِه - "الذي يُهراق عن كثيرين" ولمَّا يزَل - و"ماءً حَيًّا" سيصير "ينبع إلى حياةٍ أبديّة" مع "الحُبّ"-الإلَه "الصديق الوحيد المُحِب البشر".
هناك دماء تُبذَل اليوم ايضًا ليَحيَا كثيرون، دماء شهداء يقعون ضحيّة الغَدر والإجرام ضدّهم في بيُوتهم وأماكن خِدمتهم الاجتماعيّة والطُبِّيَّة والمدَنيّة كما في مواقع المُقاوَمة ضدّ عدُوٍّ غاشم. في لبنان منذ 1948، يقع الشهداء غدرًا لأنّ الدولة لم تقُم بأبسط واجباتها حيال أهل المناطق الحدوديّة إن لرِعايتهم وخدمتهم أو لحِمايتهم من الاعتداءات الصهيونيّة. لا بل هي "شرعنت" هذه الاعتداءات عبر منْح الفلسطينيّين مساحات حدوديّة سُمِّيَت "فتح لانْد"، وتحوَّلت شريطًا عازلًا مع "جيش لحد" - الدرع للكَيان الغاصِب. وقد اقتبس الرئيس جوزف عون قولاً للإمام الصدر يؤكِّد مرارة مُعاناة الجنوبيِّين: "أؤمن بِما قاله الإمام الصدر، أنّه لا يمكن أن يكون لبنان مبتسماً وجنوبه متألّمٌ أو باكٍ". وحتّى هذا اليوم لم يتغيَّر سلوك الدولة حيال الجنوبيِّين، بل أبقَتهم متروكين لمصيرهم تحت وطأة اعتداءات الغادر الدائم. فقط منذ 2006 لم يستطع هذا الغادر شيئًا بحقّ الجنوبيّين، لا بل لم يستطع أثناء الحرب في 2024 أن يدخل سوى أمتار ولدقائق معدودات جنوبًا لوجود مُقاومين صدّوا عُدوانه. ومنذ وقف النار المزعوم في تشرين الثاني\أكتوبر 2024، سُجِّلَت آلاف الاعتدات الوَحشيّة برًّا وبحرًا وجَوًّا.
في 1970، بادر الإمام موسى الصَدر إلى إنشاء "أفواج المقاومة اللُّبنانيّة" للجنوبيّين ليتجذَّروا في أرضِهم. إذ وجَد أنّ "الدَّولة لم تتصرَّف على أساس أنَّها مجتمع حرب... حتَّى ولا مجتمع دفاع، فالمجتمع اللبنانيّ بحاجة ... لمواجهة المعركة المصيريَّة التي يواجهها". ورجع لذلك إلى "خطّة رسمها خبراء عسكريّون فرنسيّون في نهاية الستّينات أُنجِزَتْ للمساعدة على تمكين الجيش اللبناني من السيطرة على أراضيه والدفاع عنها رغم التفوّق التكنولوجي العسكري الإسرائيلي". وأضاف: "وهناك كما ذكرت تسليح الشَّعب وتدريبه ليكون القوّة التي تساند القوّة النظاميَّة وتساعدها في المعركة...".

الجنرال شارل ديغول قال بعد حرب حزيران 1967 واحتلال الكيان الغاصب لأراضٍ عربيّة عدّة: "قاعدة الحلّ لهذه المشكلة لا بدَّ من أن تبدأ بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها، إلّا إذا مزّقت الأمم المتّحدة ميثاقها بنفسها". وقد بيَّنت الأيّام أنّ ديغول كان على حقّ، فَضعف الأُمم المتّحدة آلَ بها إلى الدَوس على ميثاقها وكل متفرِّعاته جرّاء السياسات الاستعماريّة الجائرة بحقّ شعوب العالم. صدَق تريستان ه. توني حين قال: "مهما كانت قوّة المهاجم، فإنّ المحتلّ يُضطرّ إلى الانسحاب، فهو باب الحلّ الوحيد. إنّ المقاومة ثمرة الاحتلال، فمَن أراد نزع الفاكهة، فليقطع الشجرة التي أنبَتَتها".
في ستّينات القرن الماضي، وفي أميركا الجنوبيّة، قام الفلاّحون والعُمّال بانتفاضة على الظُلم الّلاحق بهم جرّاء سياسات الأوليغارشيّة - وريثة الاستعمار - هناك. وكانت قراءتهم للإنجيل مُحفِّزًا لثَورتهم ضدّ النظام المُولِّد للبؤس. الثورة التي شارك فيها قسمٌ من الإكليروس - من كهنة ورؤساء أساقفة - الذين فهموا تماهي يسوع مع المُقتَلعين من أرضهم هناك والجِياع والمُعَذَّبين والمُعتَقلين تعسُّفًا واضطهادًا والمَخفيِّين قَسْرًا... شكَّل ما عاشوه "ثورةً ثقافيّة" كما أعلنَت الصحافيّة ماريّا لوپيز ڤيجيل في الوثائقيّ المُتقَن "إنجيل الثورة" لـلمُخرِج فرانسوَا-كزاڤيه دْرُووِيْه. فيلمُه يربط الماضي والحاضر بإتقان وقوّة، حيث مُقاوَمة الظلم الناتج من استعمارٍ "فلَح على ظهور شعوب" مئات السنين ولمَّا يزَل. غير أنّ الحقّ يعلو ولا يُعلَا عليه ويسُود ولَو تأخَّر بفضل نضالات اللّواتي والذين استلهموا لاهوت التحرير ومَضَوا إلى النهاية، حتّى بذل الدَم. لقد فهموا أنّهم صُنّاع تحرُّرهم. ونحن، هل فهِمنا؟
"وَبَعدَ هَذا رَأى يَسوعُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ قَد تَمَّ – بعد قيامه بالرسالة التي أوكله بها الآب وبعد أن أوكل أُمَّه إلى يوحنّا الرسول - فَأَمالَ رَأسَهُ وَأَسلَمَ ٱلرّوح". لمّا يزَل يسوع يقوم برسالته التحريريّة (لوقا 4: 16-22)، فهل يستطيع، اليوم، أن يُسلِم الروحَ؟
نبض