الثّغاء

منبر 08-09-2025 | 11:09

الثّغاء

غصّة في النّفس، هندسة جمهور مسكين يصفّق لوجعٍ متلألئ بالأضواء، وبناء ليل من المفرقعات النّارية، ووحي هوائي يزرع مقاعد السّعادة بين الغيوم.
اجتاحنا فن الغناء ليربكنا في زمنٍ ربّما أصيل، غناءٌ يشبه الدّايت القاسي، سريع المفعول لكن لا إمكان للمواظبة عليه لأن ضرره أكثر من نفعه.
الثّغاء
تعبيرية (مواقع تواصل)
Smaller Bigger

أ.أحلام محسن زلزلة 

 

 

 

غصّة في النّفس، هندسة جمهور مسكين يصفّق لوجعٍ متلألئ بالأضواء، وبناء ليل من المفرقعات النّارية، ووحي هوائي يزرع مقاعد السّعادة بين الغيوم.
اجتاحنا فن الغناء ليربكنا في زمنٍ ربّما أصيل، غناءٌ يشبه الدّايت القاسي، سريع المفعول لكن لا إمكان للمواظبة عليه لأن ضرره أكثر من نفعه.
لقد تحوّلت المنصّات إلى حلبات مصارعة مع الميكرفون، والمغنّي بطل يفزعك بضربات متتالية على أذنيك فيصمّهما بشخيره الرّفيع المستوى. 
يقيس نجاحه بتصفيف شعره وبإطلالته العصريّة ونظارته السّوداء الدّاكنة، يخفي تحتها نظرات الاستخفاف بالجمهور الغائب عن الوعي.  
يفتخر بعدد "اللّايكات" وطبلٍ يُحرّك الأرجل أكثر من القلوب. 
المغنّي متفنّن بالثّغاء المنفّر يواري سوأته بمؤثّرات من الذّكاء الصّناعي، وبأعداد الحاضرين من عائلتة وأصدقائه المعجبين بحسنه، يعتقدون أن ما يسمعونه هو فنّ راق معاصر، بينما هو في الواقع  تلوّث سمعيّ مدعّم بتلوّث بصريّ.
يهبط المطرب الفضائّي من عالم غيريّ، يهدي الجمال على هيئة صراخ ليرتكب جريمة متعمدة في حق الأذواق المرهفة.
 يظنّ أنّه يتقلّد مفاتيح الجَنّة لكائنات ظامئة الى فنّ صاخب سطحيّ، من زواحف المكروبين العطاشى لفنّ الثّغاء.

 

 

 

والمفارقة الكبرى أنّ الجمهور اعتاد على صوت الجواريش. يتنازل عن الطّرب في مقابل الرّقص، فالمهم أن يعرض فيديو مع الصيّاح الشّهير على "التّيك توك"، وهو يندفع بين الجموع الغفيرة ليقبّل يده ثمّ يدبك معه على كلمات منحطّة، وهو في قرارة نفسه يعلم أنّ صاحبنا بمفهوم الفنّ الحقيقيّ، يحكم عليه بالنّفي خارج مناطق الجمال والذّوق السّليم.
والعجيب في الأمر أنّ هذا الغناء أصبح أداة إزعاج حضاري. يعيش ويتكاثر بأداء أكثر تكلّفاً، وطرب أكثر صراخاً. 
والحفلات الّتي تقام في البلدان الموجوعة الّتي تتلوى حزناً وانكساراً لتخفيف آلامها، فلا مفرّ لها من الغرق في الهمّ. 
الفنّ سموّ وإيقاظ  للجمال، أما اليوم فهو حالة هستيرية من القفز والهزّ، يحدث نجوماً منطفئة تعيش على وهم الجماهير المخدوعة.
هذا الغناء لا يشبهنا بل يسطّح أدمغتنا المتعفنة بالخبل. لقد شيّع وميض الأمل إلى الدّرك الأخير، ثملاً بالأضواء الكاذبة، والأنغام المزيّفة.
على من يقع اللّوم يا ترى؟ على المجتمع الآليّ الّذي يشجع الابتذال أم على جمهورٍ يرى الطّرب رقصاً وثغاء أصيلاً؟ 
فهل نحن جرحى الفنّ الهابط؟ أم مجرّد جمهور يشجّع عاهات فنية تلمع نجوميّتها تحت قرع الطّبول الفارغة؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
المشرق-العربي 10/28/2026 8:00:00 PM
"أدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد".
صحة وعلوم 10/28/2026 4:48:00 PM
وزارة الصحة أقفلت مطعماً ومستودعاً للّحوم وسط بيروت، عقب تأكيد تسجيل أربع إصابات بمرض "داء الشعرينات" الناتج عن تناول لحوم غير مطهوة.