لعبة الوهم في لبنان
منذ سنوات، يعيش اللبنانيون داخل وهمٍ كبير اسمه "السيادة" و"الحرية" و"القرار الوطني المستقل". وهو مطلب حق، لكن كل مرة يُرسم المشهد وكأننا على بُعد خطوة واحدة من تحقيق هذه الغاية. لكن الواقع كان يكشف أننا نبتعد أكثر فأكثر عن تحقيقه.
مارك فارس
منذ سنوات، يعيش اللبنانيون داخل وهمٍ كبير اسمه "السيادة" و"الحرية" و"القرار الوطني المستقل". وهو مطلب حق، لكن كل مرة يُرسم المشهد وكأننا على بُعد خطوة واحدة من تحقيق هذه الغاية. لكن الواقع كان يكشف أننا نبتعد أكثر فأكثر عن تحقيقه.
عام 2005، رُوِّج لخروج الجيش السوري كأنه الحاجز الأخير قبل بلوغ الهدف. صحيح أن إنهاء الوصاية كان محطة تاريخية، ومع ذلك، لم يفتح الانسحاب السوري باب الدولة الموحّدة، بل أدخل البلد في انقسام سياسي وطائفي حادّ. فتحوّل لبنان من وصاية خارجية إلى ساحة صراعات داخلية، أفرغت المؤسسات من مضمونها وأفلسَت الدولة وأغرقت الاقتصاد والسياسة في مسار انحداري.

اليوم، عاد المشهد نفسه بوجه آخر. رُفع شعار "نزع سلاح حزب الله" كأنه الخطوة الأخيرة نحو الدولة. المبدأ واضح: السلاح الشرعي يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة. لكن الخلاف تفجّر حول الكيفية والتوقيت. فريق طالب بتسليم فوري من دون شروط، وفريق آخر تمسّك بالسلاح باعتباره عنصر قوة ومقاومة، فيما برز تيار ثالث طرح اتفاقًا يضمن تسليمًا تدريجيًا يحفظ الدولة ولا يخلّ بالتوازن الداخلي. لكن، وكما في 2005، لم يلتقِ اللبنانيون على رؤية موحّدة، فأصبح البلد مهددًا بمسار انزلاقي نحو حرب أهلية وتقسيم.
هذا ليس قدرًا لبنانيًا بحتًا. التجربة الأوكرانية تقدم مثالًا قريبًا: عام 2014، انقسم المجتمع بين شرق مؤيد لروسيا وغرب منجذب نحو أوروبا. رُفعت شعارات الاستقلال والقطيعة، لكن الانقسام الداخلي جعل أوكرانيا هشّة أمام التدخلات الخارجية. فكانت النتيجة حربًا داخلية أولًا، ثم صراعًا شاملًا دمّر البنى التحتية وأدخل البلاد في تبعية طويلة.
على النقيض، فنلندا خلال الحرب الباردة قدّمت درسًا آخر. بلد صغير ملاصق للاتحاد السوفييتي، لكنه اختار الوحدة الداخلية والحياد الواقعي. لم تتخلَّ عن هويتها الأوروبية، لكنها اعترفت بواقع الجغرافيا والتاريخ، فجمعت شعبها حول سياسة توازن دقيقة. النتيجة أنها نجت من الحروب، عزّزت مؤسساتها، وتحولت من دولة حدودية ضعيفة إلى نموذج في الاستقرار.
الفرق واضح: وحدة الشعب الفِنلندي جنبته الكوارث، بينما انقسام الأوكرانيين ــ كما في لبنان ــ استدعى الويلات. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في العدو الخارجي، بل في ضعف الداخل حين يتناحر على الشعارات بدل أن يتفق على مشروع وطني جامع.
اليوم يقف لبنان أمام لحظة مشابهة: إما أن يبقى أسير الانقسام بين خيارات قصوى متناقضة فيتعمّق الانهيار، أو أن يختار طريق الوحدة الداخلية التي وحدها تتيح بناء مشروع سيادي حقيقي. إن بقي لبنان ممزقًا بالشعارات والانقسامات، فلن يكون إلا ساحة لصراعات الآخرين، وستظل السيادة مجرد وهم مستحيل التحقيق…
نبض