نقطة تحوّل ذوي الاحتياجات الخاصّة إلى ذوي احتياجات تعليميّة وحكوميّة... أين وزارة التربية؟

منبر 02-09-2025 | 11:51

نقطة تحوّل ذوي الاحتياجات الخاصّة إلى ذوي احتياجات تعليميّة وحكوميّة... أين وزارة التربية؟



في بلد يفتخر بأنه منارة الثقافة والتعليم في الشرق، يعيش الكثير من الأطفال والشباب المصابين بطيف التوحّد على هامش النظام التعليمي، لا بسبب عجزهم عن التعلّم أو ضعف قدراتهم، بل نتيجة هذا النظام العاجز عن استيعاب اختلافهم،
نقطة تحوّل ذوي الاحتياجات الخاصّة إلى ذوي احتياجات تعليميّة وحكوميّة... أين وزارة التربية؟
تعبيرية (مواقع تواصل)
Smaller Bigger

 ستريدا بشير منذر

 

 

 

 في بلد يفتخر بأنه منارة الثقافة والتعليم في الشرق، يعيش الكثير من الأطفال والشباب المصابين بطيف التوحّد على هامش النظام التعليمي، لا بسبب عجزهم عن التعلّم أو ضعف قدراتهم، بل نتيجة هذا النظام العاجز عن استيعاب اختلافهم، فتتحوّل رحلة التعليم إلى مسار مليء بالعقبات، ينتهي بإقفال أبواب المدارس والثانويات في وجوه هؤلاء، تاركةً الأهل الذين بذلوا جهودًا جبّارة وقدّموا تضحيات معنويّة ومادّيّة لتأمين حياة كريمة لأولادهم أمام مستقبل مظلم ومجهول.

 

 

 

 يرافق الأهل أطفالهم منذ السنوات الأولى، ويحتفلون بكلّ خطوة صغيرة تقودهم نحو الاندماج بمجتمعهم، حتى يكتشفوا بعد مسار متعب وشاقّ أنّ أبناءهم غير مرحّب بهم على مقاعد الامتحانات الرسميّة، وبالتالي على مقاعد الثانويّة والتخصّصات الجامعيّة. وما يزيد قسوة الصورة أنّ هؤلاء الأطفال ليسوا عاجزين، إذ إنّ نسبة كبيرة منهم تتميّز بذكاء لافت ومواهب استثنائية في الرياضيات والفيزياء والفنون، أو حتى الموسيقى والرسم، لكنّ هذه القدرات تضيع بين غياب نظام واضح وقوانين تُلزم المدارس بدمج هؤلاء التلامذة مع سائر الطلاب، وبين جهاز تعليميّ غير مدرَّب وغير مدرك لكيفية التعامل مع هذه الحالات.
   يحتاج المصابون بطيف التوحّد إلى دعم بسيط، كان من المفترض على الدولة، وتحديدًا وزارة التربية والتعليم العالي، أن تنظر فيه وتؤمّنه منذ سنوات، باعتبار أن التعلّم حقّ أساسي وبديهي في حياة كلّ طفل أيًّا كانت حالته: مرافق يواكبهم في الصف، بيئة تعليمية مرنة، وأساليب تربوية تتناسب مع نمط تعلّمهم. وبدلًا من أن يُمنحوا هذه الحقوق، يُتركون ويُهمَلون، وكأنّهم أُقصوا من النظام التعليمي، من المجتمع ومن لائحة مهامّ أصحاب القرار.
 إنّ المدارس الرسمية والخاصة على حدّ سواء تضع شروطًا صارمة، تجعل عملية قبول طفل لديه طيف توحّد أقرب إلى المستحيل، وبدلًا من أن تكون "الحاضن الجامع"، تتحوّل إلى مؤسسات تُقفل الأبواب في وجه من يختلف قليلًا عمّا يعتبرونه "مألوفًا". فيُحرَم الأولاد من حقّهم في التعليم، ويتمّ تجاهل قدراتهم التي يمكن أن تتحوّل إلى قصص نجاحات بارزة كما يسعى أيّ أهل لأطفالهم.
   المطلوب ليس إعفاءات ولا شفقة ولا كلامًا من دون أفعال واضحة، بل المطلوب هو توفير شروط يمكن من خلالها تأمين واحد من الحقوق الإنسانيّة والاجتماعيّة الأساسيّة والأكثر أهميّة: الحق في التعليم والدمج، والحق في أن يُعامَل كلّ طفل على أنه فرد قادر ومنتج إذا وُضع في بيئة مناسبة. والمطلوب من وزارة التربية اللبنانية أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة، بعيدًا عن الشعارات والوعود، عبر خطوات عملية واضحة:
-فتح المجال رسميًا لاستقبال طلاب طيف التوحّد في المدارس والمعاهد الرسمية والخاصة مع اعتماد سياسة دمج شاملة.
-تأمين تدريب إلزامي للأساتذة والإداريين على كيفية التعامل مع هذه الحالات ليملكوا أدوات تربوية حقيقية بعيدًا عن الجهل والعنف.
-إقرار آلية تمويل أو دعم رسمي تتيح وجود مرافق تربوي للطالب ذوي الاحتياجات الخاصّة دون أن يتحوّل الأمر إلى عبء مادي ثقيل وشبه مستحيل على الأهل.
هذه الإجراءات ليست ترفًا، بل هي واجب وطنيّ وتربويّ تأخّرت الدولة كثيرًا في إتمامه والنظر فيه، وأصوات الأهل التي ترتفع اليوم ليست مطالبة بامتيازات، بل باسترجاع حق طبيعي، فالتعليم ليس "حسنة" من أحد، بل أساس الكرامة الإنسانية. وتطبيق هذه الاجراءات لن يستفيد منه المصابون بطيف التوحد فحسب، بلّ كلّ طفل يعاني صعوبات تعلّمّيّة سواء كان من ذوي الاحتياجات الخاصّة أم لا.
 من هنا، أصبحت الكرة في ملعب وزارة التربية والتعليم العالي، لتثبت إن كانت جادّة في بناء نظام تعليمي عادل يواكب التطور العالمي، أم إن كانت ستبقى متفرّجة على نزيف طاقات أبنائها. فالمجتمع الذي يهمّش أبناءه بسبب اختلافاتهم يحكم على نفسه بالجهل والتدهور، بينما يكسب المجتمع الذي يحتضنهم عقولًا لامعة وأرواحًا خلّاقة في ميادين العلم والفن والابتكار.
 مستقبل هؤلاء الأولاد أمانة في أعناق المسؤولين. وأيّ تأخير إضافي في اتخاذ قرارات فعّالة يعني مزيدًا من العزلة والظلم لعائلات تُصارع يوميًا فقط لتأمين أبسط حقوق أطفالها. على أمل أن تتحرّك الوزارة قبل أن تضيع أعمارٌ بكاملها في انتظار عدالة مؤجَّلة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟