منبر
09-06-2025 | 09:32
التحكيم رافعة وطنية
عندما نكتب عن التحكيم، كوسيلة بديلة لحل النزاعات، نشير الى خصائصه التي تنعكس ايجاباً على مصالح أطرافه
أثر التحكيم في التطور الاقتصادي
نبيل الجوهري
محكم و وسيط دولي، رئيس انترناشونال كاونسيل لبنان.
عندما نكتب عن التحكيم، كوسيلة بديلة لحل النزاعات، نشير الى خصائصه التي تنعكس ايجاباً على مصالح أطرافه، و كيف أن السرعة في فض النزاع، والخصوصية والحفاظ على سرية الاجراءات والقرار الذي يصدر عنه، كما القدرة على تنفيذ القرار داخل الدولة التي صدر فيها وخارجها، تترجم كلها دعماً للمشروع أو العقد. غير أننا لا نتناول البعد المجتمعي والوطني لهذا النظام الحقوقي الموازي للقضاء.
هذا المقال هو لتسليط الضوء على التحكيم كرافعة اجتماعية واقتصادية وحتى أمنية، بحيث نتخطى مستوى المشروع الضيق الى نطاق الوطن.
أولاً: ماهية التحكيم وأهميته على المستوى الخاص
التحكيم نظام قانوني خاص ذو أعمدة ثلاثة: اتفاق التحكيم وهو إما أن يكون بنداً (شرطاً) تم اعتماده قبل نشوء النزاع، وإما عقداً (مشارطة) اتفق عليه بعد نشوء النزاع. تلي هذا الاتفاق اجراءات التحكيم التي قد تكون حرة يحددها الاطراف بالاتفاق، أو مؤسسية من خلال مركز تحكيمي، تدعمها في الحالتين النصوص القانونية لتؤمن حسن سيرها. والعماد الثالث هو القضاء الوطني الذي يساند هذا النظام ويراقبه، و يمنح الصيغة التنفيذية للقرار الصادر عنه.
اذا التحكيم نظام مكتمل يؤمن لأطراف العلاقة القانونية، عقدية كانت أو غير عقدية، مساراً واضح المعالم ينهي النزاع بينهم خلال وقت وجيز، بعيداً عن المحاكم، من خلال محكّمين غالباً ما يكونون متخصصين بموضوع النزاع، فيجنبهم الخسائر المادية و التوترات الشخصية التي تنتج من الانتظار الطويل لتحديد الحقوق وانهاء الخلاف عبر المسار القضائي. ومن جهة ثانية، يحافظ على السمعة ويحمي المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمتنازعين، خلافاً للعلنية التي هي شرط لصحة المقاضاة. إن التحكيم مشروط باحترام الخصوصية وبسرية اجراءاته وعدم نشر قراره بغير موافقة الاطراف. أضف أن السهولة النسبية لتنفيذ القرار التحكيمي تجعل تحصيل الحقوق المقضي بها أسهل وأسرع.
على رغم الأهمية البالغة لما تم عرضه من مزايا تجعل التحكيم ملاذاً لتحصين الحقوق المالية وتحصيلها، والحفاظ على المكانة الاجتماعية والتجارية، الا أن هذه النتائج لها من الآثار ما يمتد الى مستوى المجتمع ككل، ويجعل من التحكيم لاعباً أساسياً في دعم الاستقرار الوطنى على مختلف الصعد.
ثانياً: التحكيم رافعة اجتماعية
لا شك في أن الوقت الطويل الذي تستغرقه الدعاوى في المحاكم يؤثر سلباً على سلوكيات المجتمع ككل. فناهيك بإطالة أمد الخلاف والتوتر بين الأطراف، تجد أن المجتمع قد يفقد بغالبيته الايمان بأن اللجوء الى القضاء سيفرض الحقوق بفاعلية وخلال مدة مقبولة. هذا الأمر ودوافع أخرى مختلفة، تؤدي أحيانا عند البعض الى ايجاد حجج ومبررات لتوسيع نطاق مبدأ استيفاء الحق بالذات، مما ينعكس سلباً على الاستقرار العام.
و من ناحية أخرى، ان انتشار ثقافة التحكيم، ومعرفة الأشخاص مسبقاً بأن عدم التزام الموجبات سيقابل، في العلاقات القانونية التي يجوز فيها التحكيم، بإجراءات تحكيمية ملزمة خلال وقت وجيز، من شأنها تعزيز الميل الى احترام الحقوق وعدم المماطلة في تنفيذ الالتزامات. و بالتالي يخلق هذا المناخ مجتمعاً تسوده مبادئ احترام الالتزام، والاستقرار في المعاملات.
ثالثاً: أثر التحكيم في التطور الاقتصادي
مدخل القول أن التحكيم هو الجاذب الأكبر للاستثمار. فالشركات يقصيها عن الاستثمار واقع عدم توافر نظام قانوني يحق الحقوق بمعايير شفافة محددة مسبقاً، تؤمن الاستقلالية والحياد في فترات وجيزة.
والاقتصاد الوطني لا ينتعش الا من خلال القطاع الخاص، أو الشراكة بين القطاعين العام و الخاص، و هذا الأخير يسعى دوماً الى المشاركة في الاقتصادات والأسواق التي تؤمن له نظاماً حمائياً على مستويي الاستدامة والأمان المالي. ان الدول التي تجد فيها استثمارات ضخمة هي نفسها التي تتواجد فيها كبريات مؤسسات التحكيم، وهذه ليست مصادفة. وبالتالي على الحكومات كما المجتمعات، تكريس وجود منظومة تحكيمية فاعلة وجاذبة ودعمه، لما له من عواقب ايجابية على مستوى الوطن.
أضافة الى ذلك، فان تطوير التحكيم كمؤسسة يخلق قطاعاً اقتصادياً يؤمن فرص عمل في النظام نفسه كما في القطاعات الموازية التي تفيد وتستفيد منه، ومنها خدمات الترجمة القانونية والتكنولوجيا والاستشارات وغيرها.
رابعاً: التحكيم مؤسسة داعمة في الأمن المجتمعي
ان المناخ الذي يفترض أن يدعمه التحكيم بين أفراد المجتمع، بضرورة التزام إيفاء الحقوق وتنفيذ العقود، ُيوجد مجتمعاً تقل فيه النزاعات، مما ينعكس استقرار في المعاملات بشكل عام. كما أن قيام التحكيم بفض المنازعات سيؤدي الى تخفيف العبء عن المحاكم، و يساعدها على الانصراف الى انجاز الدعوى في الأمور التي لا يجوز التحكيم فيها، وأهمها القضايا الجزائية، فتبت خلال فترات أقصر، مما يدعم أمن المجتمع.
أضف أن تأمين فرص العمل وتخفيف نسبة البطالة، الناتج من جذب المشاريع الاستثمارية، من شأنه أيضاً تحسين الدخل الفردي والحد من التصرفات والجرائم التي تضرّ بالأمن.
هكذا نرى كيف أن التحكيم يتجاوز دوره كأداة تقنية لحل النزاعات، ليظهر أنه جزء من هندسة العدالة والتنمية، وحجر أساس في بناء دولة حديثة تحترم فيها الالتزامات، ويؤمن فيها الأشخاص يحقوقهم، كما يجد فيها المستثمرون بيئة حاضنة وآمنة.
محكم و وسيط دولي، رئيس انترناشونال كاونسيل لبنان.
عندما نكتب عن التحكيم، كوسيلة بديلة لحل النزاعات، نشير الى خصائصه التي تنعكس ايجاباً على مصالح أطرافه، و كيف أن السرعة في فض النزاع، والخصوصية والحفاظ على سرية الاجراءات والقرار الذي يصدر عنه، كما القدرة على تنفيذ القرار داخل الدولة التي صدر فيها وخارجها، تترجم كلها دعماً للمشروع أو العقد. غير أننا لا نتناول البعد المجتمعي والوطني لهذا النظام الحقوقي الموازي للقضاء.
هذا المقال هو لتسليط الضوء على التحكيم كرافعة اجتماعية واقتصادية وحتى أمنية، بحيث نتخطى مستوى المشروع الضيق الى نطاق الوطن.
أولاً: ماهية التحكيم وأهميته على المستوى الخاص
التحكيم نظام قانوني خاص ذو أعمدة ثلاثة: اتفاق التحكيم وهو إما أن يكون بنداً (شرطاً) تم اعتماده قبل نشوء النزاع، وإما عقداً (مشارطة) اتفق عليه بعد نشوء النزاع. تلي هذا الاتفاق اجراءات التحكيم التي قد تكون حرة يحددها الاطراف بالاتفاق، أو مؤسسية من خلال مركز تحكيمي، تدعمها في الحالتين النصوص القانونية لتؤمن حسن سيرها. والعماد الثالث هو القضاء الوطني الذي يساند هذا النظام ويراقبه، و يمنح الصيغة التنفيذية للقرار الصادر عنه.
اذا التحكيم نظام مكتمل يؤمن لأطراف العلاقة القانونية، عقدية كانت أو غير عقدية، مساراً واضح المعالم ينهي النزاع بينهم خلال وقت وجيز، بعيداً عن المحاكم، من خلال محكّمين غالباً ما يكونون متخصصين بموضوع النزاع، فيجنبهم الخسائر المادية و التوترات الشخصية التي تنتج من الانتظار الطويل لتحديد الحقوق وانهاء الخلاف عبر المسار القضائي. ومن جهة ثانية، يحافظ على السمعة ويحمي المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمتنازعين، خلافاً للعلنية التي هي شرط لصحة المقاضاة. إن التحكيم مشروط باحترام الخصوصية وبسرية اجراءاته وعدم نشر قراره بغير موافقة الاطراف. أضف أن السهولة النسبية لتنفيذ القرار التحكيمي تجعل تحصيل الحقوق المقضي بها أسهل وأسرع.
على رغم الأهمية البالغة لما تم عرضه من مزايا تجعل التحكيم ملاذاً لتحصين الحقوق المالية وتحصيلها، والحفاظ على المكانة الاجتماعية والتجارية، الا أن هذه النتائج لها من الآثار ما يمتد الى مستوى المجتمع ككل، ويجعل من التحكيم لاعباً أساسياً في دعم الاستقرار الوطنى على مختلف الصعد.
ثانياً: التحكيم رافعة اجتماعية
لا شك في أن الوقت الطويل الذي تستغرقه الدعاوى في المحاكم يؤثر سلباً على سلوكيات المجتمع ككل. فناهيك بإطالة أمد الخلاف والتوتر بين الأطراف، تجد أن المجتمع قد يفقد بغالبيته الايمان بأن اللجوء الى القضاء سيفرض الحقوق بفاعلية وخلال مدة مقبولة. هذا الأمر ودوافع أخرى مختلفة، تؤدي أحيانا عند البعض الى ايجاد حجج ومبررات لتوسيع نطاق مبدأ استيفاء الحق بالذات، مما ينعكس سلباً على الاستقرار العام.
و من ناحية أخرى، ان انتشار ثقافة التحكيم، ومعرفة الأشخاص مسبقاً بأن عدم التزام الموجبات سيقابل، في العلاقات القانونية التي يجوز فيها التحكيم، بإجراءات تحكيمية ملزمة خلال وقت وجيز، من شأنها تعزيز الميل الى احترام الحقوق وعدم المماطلة في تنفيذ الالتزامات. و بالتالي يخلق هذا المناخ مجتمعاً تسوده مبادئ احترام الالتزام، والاستقرار في المعاملات.
ثالثاً: أثر التحكيم في التطور الاقتصادي
مدخل القول أن التحكيم هو الجاذب الأكبر للاستثمار. فالشركات يقصيها عن الاستثمار واقع عدم توافر نظام قانوني يحق الحقوق بمعايير شفافة محددة مسبقاً، تؤمن الاستقلالية والحياد في فترات وجيزة.
والاقتصاد الوطني لا ينتعش الا من خلال القطاع الخاص، أو الشراكة بين القطاعين العام و الخاص، و هذا الأخير يسعى دوماً الى المشاركة في الاقتصادات والأسواق التي تؤمن له نظاماً حمائياً على مستويي الاستدامة والأمان المالي. ان الدول التي تجد فيها استثمارات ضخمة هي نفسها التي تتواجد فيها كبريات مؤسسات التحكيم، وهذه ليست مصادفة. وبالتالي على الحكومات كما المجتمعات، تكريس وجود منظومة تحكيمية فاعلة وجاذبة ودعمه، لما له من عواقب ايجابية على مستوى الوطن.
أضافة الى ذلك، فان تطوير التحكيم كمؤسسة يخلق قطاعاً اقتصادياً يؤمن فرص عمل في النظام نفسه كما في القطاعات الموازية التي تفيد وتستفيد منه، ومنها خدمات الترجمة القانونية والتكنولوجيا والاستشارات وغيرها.
رابعاً: التحكيم مؤسسة داعمة في الأمن المجتمعي
ان المناخ الذي يفترض أن يدعمه التحكيم بين أفراد المجتمع، بضرورة التزام إيفاء الحقوق وتنفيذ العقود، ُيوجد مجتمعاً تقل فيه النزاعات، مما ينعكس استقرار في المعاملات بشكل عام. كما أن قيام التحكيم بفض المنازعات سيؤدي الى تخفيف العبء عن المحاكم، و يساعدها على الانصراف الى انجاز الدعوى في الأمور التي لا يجوز التحكيم فيها، وأهمها القضايا الجزائية، فتبت خلال فترات أقصر، مما يدعم أمن المجتمع.
أضف أن تأمين فرص العمل وتخفيف نسبة البطالة، الناتج من جذب المشاريع الاستثمارية، من شأنه أيضاً تحسين الدخل الفردي والحد من التصرفات والجرائم التي تضرّ بالأمن.
هكذا نرى كيف أن التحكيم يتجاوز دوره كأداة تقنية لحل النزاعات، ليظهر أنه جزء من هندسة العدالة والتنمية، وحجر أساس في بناء دولة حديثة تحترم فيها الالتزامات، ويؤمن فيها الأشخاص يحقوقهم، كما يجد فيها المستثمرون بيئة حاضنة وآمنة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
1/15/2026 1:08:00 PM
وزير الخارجية السعودي يجري اتصالات إقليمية لبحث تطوّرات الأوضاع في المنطقة
تحقيقات
1/16/2026 7:10:00 AM
على مسمع ومرأى العالم الذي تركهم يواجهون مصيرهم، يقوم سكان تجمع رأس شلال العوجا حالياً بتفكيك مساكنهم البسيطة، ويحمّلون مقتنياتهم بواسطة شاحنات صغيرة.
المشرق-العربي
1/16/2026 8:59:00 AM
برّاك: "الولايات المتحدة لا تزال على اتصال وثيق بجميع الأطراف في سوريا"
المشرق-العربي
1/16/2026 10:37:00 AM
"سانا": خروج مدنيين من قرية المبعوجة التابعة لمنطقة دير حافر في ريف حلب عبر طرق فرعية وزراعية خطرة
نبض