من "الحاج ويليام" إلى "أبي علي بوتين": نصيحةٌ لا تسمع!
الربط بين الشخصيات العالمية والألقاب المحلية العربية ظاهرة مألوفة في الفضاء السوسيولوجي العربي، إذ يُسعى من خلالها إلى تحويل شخصيات دولية مؤثرة إلى حالة عامة قريبة...
أمين نصر
كثيرة هي الألقاب العربية التي حازها أجانب اشتهروا بانغماسهم في شؤون الشرق العربي الإسلامي السياسية والعسكرية. فقد تعرّض هؤلاء لإشعاع القوة الناعمة الثقافية العربية، كون إقامتهم بين العرب والمسلمين طالت لسنوات. ولأن التكنّي من آداب الإسلام، والكنية مما يمدح به المرء ويُكرم، ولأن العرب يُعتبرون أهل كرم وتكريم، أطلقوا عليهم أسماء عربية وإسلامية. ودافع التكنية كان من باب الود والاحترام والتقدير، إذ حازها هؤلاء لمكانتهم في قلوب وعقول العرب، أو ربما من باب الشهرة لانخراطهم في مشاريع سياسية طموحة كان مسرحها العالم العربي، وهي مشاريع خدمت فئة دون غيرها وتركت آثاراً ما زال العرب يعانون منها أشد المعاناة.
قد يكون توماس إدوارد لورنس أشهرهم، وهو الإنكليزي الذي اشتهر عالمياً بلقب "لورنس العرب". وعلى الرغم من أن اللقب غربي في الأصل، فقد اكتسب مكانة كبيرة بين العرب بسبب مشاركته في الثورة العربية الكبرى ودوره كمستشار عسكري وسياسي ضد الوجود العثماني في الحجاز. لكن لورنس لم يكن الوحيد الذي تكنّى بلقب عربي. فمن المعروف أن غرتريد بل، بسبب علاقاتها الوثيقة مع القبائل العربية، عُرفت بـ"خاتون العرب" أو "أم المؤمنين". وهي إنكليزية أيضاً لعبت دوراً جوهرياً في تشكيل حدود العراق السياسية الحديثة، وكانت كلما التقت بشيخ قبيلة تُمدح علناً. على سبيل المثال، كان شيوخ "بني صخر" يمدحونها بقولهم: "ما شاء الله! بنت عرب!" أما جون فيلبي، فقد عُرف بـ"الشيخ عبد الله" بعد اعتناقه الإسلام ونسجه علاقات وثيقة مع الملك عبد العزيز آل سعود. ولا يسعنا هنا إلا أن نستذكر جون غلوب، قائد أركان الجيش الأردني، المعروف بـ"غلوب باشا" أو "أبي حنيك". دون أن نغفل، طبعاً، أن العالم العربي في مرحلة ما بعد الكولونيالية وتفكيك الاستعمار وصعود موجة العروبة مرّ بمرحلة "تعرية ثقافية وأدبية وشعبية" لهؤلاء الأجانب. فقد سُلّطت الأضواء على أدوارهم الخبيثة والخفية خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومسؤوليتهم عن التسبب بخسارة العرب لحروبهم، أو في حصول التقسيم والشرذمة، وصولاً إلى اتهامهم حتى بالجاسوسية لصالح حكوماتهم.
إلا أنه نادراً ما كانت الألقاب العربية والإسلامية تُطلق على قادة الصف الأول للدول الأجنبية، وهنا نعني قادة الدول من رؤساء وملوك وقياصرة، إلا في حالتين اثنتين شهيرتين. الحالة الأولى هي للقيصر الألماني ويليام الثاني، الذي لُقّب بـ"الحاج ويليام"، والثانية، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كُنّي بـ"أبو علي بوتين".
إن الربط بين الشخصيات العالمية والألقاب المحلية العربية ظاهرة مألوفة في الفضاء السوسيولوجي العربي، إذ يُسعى من خلالها إلى تحويل شخصيات دولية مؤثرة إلى حالة عامة قريبة من تطلعات وطموحات الشعوب، عبر صبغها بألوان ثقافية محلية. أما الدوافع وراء هذه الألقاب، فهي سياسية بحتة.
فهل لك أن تتصور أن أدولف هتلر لُقّب بـ"أبو علي هتلر" بعد سقوط باريس في العام 1940، وانطلقت في بيروت مظاهرة تصدح بهتاف فكاهي: "برلين عاصمة الدني.. باريس مربط خيلنا"؟
"الحاج ويليام"... فخامة اللقب
تبدأ قصة لقب "الحاج ويليام" عندما قرر القيصر الألماني القيام برحلته الشهيرة إلى الشرق الأوسط في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1898، والتي كانت جزءاً من جهود ألمانيا لتعزيز نفوذها الجيوسياسي في المنطقة، حيث وجدت ضالتها في الإسلام والمسلمين وعملت على كسب ودهم.
إن السياق التاريخي، اللقب غير معروف بشكل دقيق، ولكن قد تكون زيارة القيصر للقدس تحديداً هي السبب في إطلاق اللقب عليه، حيث كان المسيحيون الذين حجّوا إلى القدس يُلقبون بالحجاج. الفرضية الثانية لإطلاق لقب "حاج" على ويليام ذات طابع ديني صرف، ممزوج بحبكة مخابراتية ألمانية خبيثة. فألمانيا، وضمن تنافسها مع القوى الاستعمارية الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا، استغلت وجود ملايين المسلمين تحت حكم هاتين الدولتين، ووجدت في استعمار الشعوب المسلمة ثغرة للدخول واستغلال مشاعر المسلمين ضد الاستعمار الفرنسي والبريطاني.
فقد سُوِّق للقيصر في الأوساط العربية الإسلامية على أنه صديق للإسلام وداعم للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، خليفة المسلمين. وعملت الدوائر الدعائية الألمانية ببراغماتية عالية، وبمعاونة بعض شيوخ الإسلام، على بث شائعات مغرضة بأن أوروبياً من مصاف الملوك سوف يدخل الإسلام قريباً هو وشعبه، وأن ظاهره مسيحي، ولكن باطنه مسلم، وقد حجّ إلى مكة المكرمة بسرية تامة.
هكذا، إذاً، استحصل ويليام على لقب "حاج".
"أبو علي بوتين"
أما لقب "أبو علي" فيستخدم في اللغة الشعبية العربية للدلالة على الشهامة والرجولة والإغاثة والعون. إنه لقب شعبي له سياقات اجتماعية، أُطلق على فلاديمير بوتين خلال أزمات الربيع العربي والحروب الأهلية السورية، خاصة دعم بوتين لحلفائه في سوريا وإيران، ومواقفه المناهضة للولايات المتحدة وحلفائها، تماماً كما فعل ويليام قبله عندما ناهض فرنسا وبريطانيا ودعم العرب والمسلمين.
فاللقب على المستوى الشعبي يعكس تأييد قطاعات من الجمهور العربي لسياسات بوتين في المنطقة. وقد تعزز اللقب بفعل الخطاب الإعلامي، خصوصاً في فضاء التواصل الاجتماعي، أو من خلال رفع لافتات مؤيدة له تصفه باللقب العربي ولدوره الفعال في كسر الهيمنة الغربية على القرارات العربية.
من المعروف أيضاً أن هذا اللقب استخدم كمصطلح تهكمي من قبل مناهضي المشروع الإيراني في البلدان العربية، كما روجت بعض منصات التواصل الاجتماعي لقباً مضاداً لـ"أبو علي بوتين"، وهو لقب "أبو إيفانكا"، في إشارة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يمثل بنظر أصحاب هذا اللقب، أي "أبو إيفانكا"، المشروع المضاد والمناهض للمشروع الإيراني-الروسي، أو بما يعرف اصطلاحاً بمحور المقاومة.
من"الحاج ويليام" إلى "أبو علي بوتين"
لم تُسعِف الحبكات الدرامية الألمانية ولا القصص الشعبية الخيالية والألقاب، مشروع ألمانيا الاستعماري في المنطقة العربية، بل تفاجأت دوائر القرار في برلين بمدى توق العرب للتخلص من حليفتهم السلطنة العثمانية المسلمة، وانغماسهم في موجة مقاومة لمصالح ألمانيا والسلطنة على حد سواء، مدعومة من فرنسا وبريطانيا.
فاللقب الذي ساهم في إعلاء شأن القيصر ويليام ساهم في إسقاطه شعبياً وسياسياً لدى المكونات العربية، فخرجت ألمانيا من البلاد العربية مهزومة تجمع خيباتها. أما النصيحة التاريخية التي قدمها القيصر الألماني ويليام بشكل "رسالة" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيبدو أن الأخير لم يلتقط مغزاها.
فلا الألقاب تحفظ نفوذ أصحابها، ولا الشهرة تحمي مشاريعهم من الهزيمة إذا كانت تلك المشاريع تجري بعكس حركة التاريخ. فويليام الثاني عاكس اتجاه التاريخ، ومشى بعكس تطلعات وآمال الشعوب العربية، فأسقطته في نهاية المطاف.
أما بوتين فلم يتعلم من دروس الماضي، فمشى في الاتجاه المعاكس ووقف على الجانب الخاطئ من التاريخ، ودعم من لا يستحق الدعم... فسقطوا جميعاً. يبدو أنه لا يقرأ التاريخ جيداً، وهذا ما استفز ويليام ليطل برأسه ويصرخ بحرقة ليقول لبوتين: نصيحةٌ لا تُسمع!
نبض