ابراهيم الضاهر
وزير سابق
إن سلوك الإنسان غالباً ما يتأرجح بين العقل والرومانسية.
عنيت هنا بالرومانسية كل ما هو نابع من غير عالم العقل وهي تشمل مثلاً الأخلاقيات والعنفوان والمعتقد والانتماءات، إيديولوجية كانت أو عاطفية.
إن الحضارة الحديثة فرضت علينا أولوية الواقعية في الحياة اليومية وفي التفاعل مع الآخرين.
تحوّل معيار النجاح عبر التاريخ من القوة البدنية التي يُنتظر منها إنجازات حيوية كتأمين الحماية الجسدية والضرورات الحياتية من سقف سكن وقوت للمجموعة، إلى الدهاء في فن الحرب وتحقيق الانتصارات الميدانية، ومن ثم إلى أولوية القيمة الفكرية والإنجازات العلمية، فانتهت في أيامنا هذه إلى إمكانية التحصيل المادي وتخزين الثروات.
في ظل هذه المعطيات يُفترض بالمرء أن يعمل جاهداً لتحصيل وتخزين أكبر قدر ممكن من الثروات لكن يبقى السؤال: هل يجوز أن يتم هذا دون أي رادع وبأي ثمن؟ فتدخل هنا ما سمّيت الرومانسية أي الاخلاقيات والمعتقدات. العقلانية حقيقة جامدة تعطيها الرومانسية الحياة وتزيّنها.
من الطبيعي أن تراودنا مثلاً المعادلة التالية لمن أعطي الأولوية في تصرفاتي، هل أخضع للواقعية المادية والمعايير السائدة أم أعود إلى رومانسيتي ومعتقدي فأتساءل مثلاً: هل انا مستعد لأن أجني كمّاً أكبر من المال في مقابل التخلي عن شيءٍ من عنفواني وكرامتي؟
أو بالعكس، هل أنا مستعد لأضحّي بشيء من ثروتي في سبيل معتقدي أو عنفواني أو قوميتي. باختصار، إلى أي مدى أنا مستعد لتسخير معتقدي في سبيل تحقيق العقلانية المادية؟
تشكل دياناتنا السماوية درعاً أخلاقيةً منيعة لكنها لم تتطرق إلى المجالات التكوينية أو الرومانسية للفرد.
تواكب هذه الأسئلة المرء في جميع مراحل حياته وتصرفاته
فالأسباب عديدة لتفضيل الواقعية تارة والرومانسية طوراً. واجهنا جميعاً مثل هذه الحالات فنحن في عالم يكرّس أولوية الواقعية والعقلانية وضرورة السعي إلى النجاح وتحصيل الخيرات، مادية كانت أو معنوية كشرفيات السلطة والمناصب.
إن قسطاً كبيراً من فن الحياة يكمن في المساومات، وعلمتنا التجارب أنه نادراً ما تكمن الحقيقة في التعامل البشري في اتجاه واحد أو ما يُعرف بمعادلة "يا ابيض يا اسود".
هذا طرح دائم يصعب علينا الحزم في يومياتنا مدى الأهمية النسبية التي تعطى لكل من الواقعية والرومانسية.
وهذا ينطبق على الصعيد الفردي وعلى الصعيد العام ومفاهيم سياسات المجموعات والدول.
ينبع عادة الانتماء الوطني إما من مفهوم قومي وطني تبقى مساحته ضمن الحدود الجغرافية للكيان وإما من مفهوم قومي واسع عابر للحدود كما نشهد مثلاً عند الكثير من الدول الغربية. فطالما كانت القومية الفرنسية قومية وطنية ضيقة فيما نشهد منذ فترة نشوء شعور بالانتماء إلى قومية أوسع أوروبية.
فإذا ما التزمنا هذه المعايير تسهل علينا مثلاً مقاربة عملية طوفان الأقصى في البحث في نتائجها في ظل الخسائر المادية والبشرية الباهظة.
لو اعتمدنا الواقعية العقلانية لحكمنا على القرار بأنه مغامرة خاطئة مكلفة مدمرة. لكن إذا ما أدخلنا في الاعتبار ما سمّيناه الرومانسية، أي استنهاض القضية، العنفوان والكرامة، لعدلنا حكمنا ورأينا أنه في هذا القرار غلّبت "حماس" الرومانسية على الواقعية السياسية ليكون في النهاية الشعب الفلسطيني وحده من يقرر إن كان الإنجاز الرومانسي يفوق الثمن الميداني.
كذلك يمكن النظر إلى التباين القائم بين مؤيدي قرار مساندة الحزب للمقاومة في غزة تحت عنوان القومية الواسعة والعنفوان ومعارضيه المدافعين عن قومية وطنية محددة جغرافياً وعقلانية واقعية تعطي الأولوية لحماية الوطن ورفاه أبنائه نظراً إلى قدراته وضعف جدوى المساندة.
في الخلاصة يكون الصواب في إيجاد التوازن الأمثل في كل من قرارتنا الشخصية أو العامة، بين العقلانية والرومانسية.
نبض